لافي الشمري
مهما تنوعت الأساليب البلاغية في ترجمة أحاسيسنا تجاه الأم، يصعب علينا اختزال مراحل العطاء والتضحية والحنان المتدفق من معين أمهاتنا الذي لا ينضب بمرور الوقت.
لمناسبة عيد الأم، يفصح أدباء ومثقفون عن تأثير الأم على أعمالهم الإبداعية، وفي لحظة وفاء وعرفان بالجميل يعلنون عن بوح شفيف من مكنوناتهم تجاه أمهات فرشن لهم دروب الإبداع.
أكد الكاتب المسرحي سليمان الحزامي أن مسألة غياب الأم عن الأعمال الأدبية نسبية، موضحاً أن تأثير الأم السلبي أو الإيجابي لا بد من أن ينسحب على نتاج المبدع.
وأورد جانباً من تجربته الشخصية، مشيراً إلى أن معظم أعماله المسرحية تناول دور الأم في تشكيل الأسرة، وأنه قدم دراسات أكاديمية تركز على إبراز دورها في المجتمع.
أضاف الحزامي: (كتاب كثر تناولوا الأم في أعمالهم من بينهم، نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس واتضح مدى تأثرهم بأمهاتهم من خلال أعمالهم).
في السياق نفسه، أوضحت القاصة استبرق أحمد أن الأم دعاء ملوّن بالطمأنينة والعاطفة الخالصة: (ليس مستغرباً أن يجتمع تاريخ عيد الأم مع يوم الشعر فكلاهما قصيدة حب تحيطك بالدهشة الدائمة والرهافة، لكن ليس ثمة من يساوي الأم في عمق تفانيها. أحمل أمي في تصرفاتي كافة، حين سوّرت المنيّة والدي رحمه الله هبطت على كتفها جبال أكبر من المسؤولية. وفي حرصها الذي لا يغفو، بنت مزيداً من بيوت الصدق والمحبة. مضت أم وأخت وصديقة، تحيطنا برهافة رعايتها. كانت تهمس دائماً أن نخلّد والدنا بحسن التعامل، التميز، تفهّم الآخرين، السمعة الطيبة. لا أدعي أننا حققنا كل ما أرادت، لكننا لا نزال نحاول ونسعى إلى أن تفخر بنا..).
مطر الرحمة
حددت استبرق أسباب عدم تناولها موضوع الأم في كتاباتها: (لم أكتب عن أمي الكثير، للأسف. ربما أمي مقدسة جداً لدي والمؤكد أن الكتابة عنها (تابو) سأكسره يوماً بنص يحاول الوصول إلى مكانتها، علماً أن نصوصي كافة لها. وأنا محظوظة جداً، ولله الحمد، بأنني في أسرة ركنيها أب وأم يحملان وعياً وثقافة رائعين هيّئا لي طريق الكتابة. وأمي ظهرت في أحد نصوصي بمرور عابر، خشية من سوء يجرّ عربات حزن يسمع صريرها، جعلتها في النص في غيم الغموض وضبابية أردتهما كالرجاء، وقد أنصتت السماء فكان مطر الرحمة وطــُمِر القادم.).
أكدت استبرق أن الأم حازت اهتماماً كبيراً من المبدعين، مشيرة إلى قصيدة محمود درويش المميزة (أحنّ إلى خبز أمي)، ورواية مكسيم غوركي الشهيرة (الأم) ورواية ميلان كونديرا العميقة (الحياة في جانب آخر) والتي تناول فيها حب الأم العميق، وقصة د. سليمان الشطي الجميلة (جسد) من مجموعته (أنا.. الآخر).
أضافت: (في الفن أجمل اللوحات والمنحوتات التي تناولت الأم، وربما أكثرها عمقاً أعمال صوّرت مريم العذراء وابنها النبي عيسى عليهما السلام....)
رفضت استبرق حصر الكتابة عن الأم في المناسبات قائلة: (لمَ الأم مغيبّة في نصوص كثيرة وحاضرة جداً في نصوص مناسباتية كعيد الأم؟ ربما يكتب عنها البعض في هذا اليوم متعمداً الاحتفاء بها بصورة يريدها ضمن وهج المناسبة).
بدورها اعترفت الروائية ميس العثمان بغياب الأم من أجندة المثقف: (تغيب الأم من أعمال المثقف إن كان (حضورها) في الروح ضعيفاً منذ الاحتضان الأول، إذ يكمن السرّ فيه، بمعنى، أن المرأة التي تكون (جاهزة) حقاً لحمل لقب (أم) وممارسة أمومتها كما يجب، لن تغيب عن قلب أولادها مهما شغلتهم الحياة. ويمثّل رحيلها فاجعة تحيل البيت إلى وحشة). تابعت العثمان: (يصعب أن أضع معنى خالصاً للأم ، لكن وبحسب علاقتي بها/ رؤيتي لها، هي تميمتي الجميلة التي تحميني، هي السيدة التي أغبطني عليها حدّ (التباهي) بها، هي (سيدة عمري) التي تجدني تارة أهادن غضبها وأوجهه كي تكون أجمل حين أتصورني أكثر (خبرة) منها، وتارة أخرى، أدافع عنها بشراسة طفلة تخاف أن يمس (أحدهم) والدتها بالحزن... وهي لا تستحق إلا (الجمال والرضى).
اعتبرت العثمان والدتها «تعويذة نجاحاتها)، (صديقة عمرها)، (ملاذها الآمن) ، فسحة حكاياتها المجنونة( و) رفيقة الآتي وما سيكون(... موضحة في هذا السياق علاقتها الوطيدة بها: )هي تلك السيدة التي تستحق أن يطلق عليها لقب (أم)، فليست الوالدات كلهن كذلك(. وعن تأثير والدتها في نتاجها قالت: (أمي عوّدتني على القراءة وحب اللغة وتذوقها منذ الصغر، وحرصت على توجيهي من بداياتي في الكتابة لأنها قارئي/ ناقدي الأول دائماً بالمعنى الحقيقي، وهي مرجع حميم جداً خلال أيام طويلة أكرّسها للبحث والقراءة والاشتغال قبل البدء في خوض غمار جنون إبداعي جديد).
ذكرت العثمان أن (الأم) كانت ولا تزال محط اهتمام الإبداع والمبدعين، وهو أمر مستغرب، إذا قارنا عدد الأعمال، التقريبي، الذي اهتم بـ (الأم) كعنصر أساس مقارنة بالذي تناول (الأب) كفكرة أساسية. والبعض أمعن (أدبياً) في انتقاد (الأب) وسلوكياته عبر المقارنة الصريحة بينه وبين الأم كمثال، وعبر (تجاهله) وتخصيص نصوص إبداعية باتجاه (الأم) كعنصر أساس... طبعاً لا نستطيع أن نتجاوز عمل مكسيم غوركي الشهير (الأم)، سقراط وشكسبير والمتنبي وحافظ إبراهيم وأبو العلاء المعري ومحمود درويش وغيرهم كُثر».
الركن الأساس
رفض الروائي حمد الحمد الفصل في حركة الأدب العامة، إذ يعتبر أن الإلهام والأفكار تأتي في لحظة إبداعية بعيداً عن الترتيب والإعداد المسبق: (المبدع يترجم أفكاره في جنس أدبي مختزلاً قضايا أسرية من واقع حياته أو من الواقع المحيط به. أتصور أن الأدب يختلف عن الدراما التلفزيونية التجارية التي تناولت موضوع الأم المنسجم مع اهتمام وسائل الإعلام المرئية ).
أضاف: (يركز الروائي في نتاجه على قضايا اجتماعية متنوّعة، ضمن تصوّره الخاص بعيداً عن تبنّي مشاكل خاصة. صراحة، أتجنب الكتابة العاطفية، لا سيما أن الروائي حينما يكتب عن مشاكل أحد الأبناء فإنه بذلك يكتب عن صورة الأم المتمثلة في أولادها).
أشار الحمد إلى أن الروائي يحلّق ضمن فضاء الإبداع، مدوناً شخصيات وأحداثاً المرأة فيها سيدة الموقف، لكن ليس بالضرورة تحديد إن كانت المرأة المعنية هي أم أو زوجة أو فتاة.
في سياق متصل قالت القاصة باسمة العنزي إن (الأم هي هبة الخالق العظيمة التي لا يمكننا عبور جسر الحياة من دونها، هي أول وأهم وأنقى علاقة إنسانية. أدين لأمي بالكثير، وأجدها أكثر أم مثالية.
أكدت باسمة أن للأم بصمة خاصة على تفاصيل حياتنا، والإبداع يولد من رحم الحياة: (بالنسبة إليّ أمي بثقافتها الاستثنائية كان لها منذ البدء دور رئيس ومحوري في تشكيل ذائقتي الأدبية وتنميتها في محطات كثيرة. قرأت أخيراً وكتبت عن رواية ليلى العثمان (خذها لا أريدها) التي تناقش مسائل عدة أبرزها علاقة الأم والبنت، البطلة فيها ندمت كثيراً لأن علاقتها بوالدتها كانت سيئة ولم يتسنَّ لها رؤيتها قبل وفاتها. إنها صورة عصرية لالكترا فرويد).
استبعدت باسمة غياب الأم من نتاج أولادها المثقفين قائلة: (لا أظنها تغيب إطلاقاً، وثمة مواضيع تتفق عليها الغالبية مثل حب الأمهات وتقدير دورهن الكبير، لذا من الغريب عدم التركيز على هذا الجانب ما لم تكن ثمة إشكالية معينة تقود المبدع إلى التعبير عما هو معاكس).
أوضحت العنزي أنه من الطبيعي أن تغيب الأم في الأعمال التي تعبّر عن خطاب فكري أو قضية أو حالة سياسية.
معاني الأمومة
صرّح الكاتب فهد الهندال أن الأم هي الأرض التي تنبت منها جذورنا، هي السماء التي ترحمنا بغيثها، هي الحياة التي تحمينا بحبّها وحنانها... هي الوطن الذي لا نفارق ربيعه في حلّنا وترحالنا، هي القلب الصدوق الذي نتكئ عليه في أفراحنا وأحزاننا. هذه هي الأم التي لا يشبهها أحد.
يضيف: (الأم تشاركني إبداعي ونجاحي منذ ولادتي، وكل نجاح وإبداع أدين فيه إليها لدعواتها وبركاتها وصلواتها لأجلي ولأخوتي، وأصدر عملاً جديداً قريباً أهديه إلى أمي وإلى كل أم فاضلة ورحيمة).
أكد الهندال أن الأدب لم ولن يستغني عن الأم وصورها العظيمة في إبداعاته المختلفة، ففي الرواية، حفلت أعمال كثيرة بمعاني الأمومة، آخرها ما قرأه لرينيه حايك رواية (صلاة من أجل العائلة) والتي حفلت بالأم مكانة وروحاً وبوحاً جميلاً: (صور الأم حاضرة أيضاً في الشعر، وأجمل ما قرأت أخيراً، ما قاله الشاعر الرائع سامي القريني في قصيدة ) يا جنتي لا توقدي ناري).
الأم في ذاكرة المحبين والمفكرين وكل من امتهن الكلمة والعقل عملاً نحو أسمى عناوين الحياة ... الأمومة الحاضرة في نزيف الألم وبشارة الأمل (الولادة) والكتابة بحد ذاتها ولادة متجددة... لكل الأمهات الحبيبات: كل يوم وأنتن بخير وحب).
أما الكاتب عقيل عيدان فيقول: (على مثل ما تنعقدُ عليه أحلام الزنابق ينطوي صدرها، وذلك عجب من العجاب. فالقاعدة أنه حيث يشتد ضغط الأثقال والهموم، تتراكم الترسبات ويخشوشن المدى... وفي الأعباء هل رأى أحد أكبر من العبء الذي يتحمله ذيّاك الصدر، القفص الأسطورة؟ (أما عن الصفاء فالحكاية أعجب، فمثل الصفاء الغريق في عينيها تشقّ حبّات الندى طريقها صباحاً خيطاً من نور... تُرى في أيّ واد ترعى قُطعان السهر؟ ومما تقتات الأحرف الجياع؟ أليس في أديم عينيها تترامى المراعي الخصيبة؟ وعلى ضيائهما المنهمر تعيش كلمات الحنان/ الحب؟).
يضيف عيدان: (نعم، فكيف إذن يختلف الصفاء إليها ليستقر في عينيها وتلك حالهما؟ لا غرابة، فالكريم من الأحجار يزداد غنى في النقاء كلما زدته صقلاً وزادته الأيام طرقا! ثم هل رأى أحد كيف تنساب خيوط الشمس على الكائنات في عفوية السماح الإلهي، فإذا هي بهذه الخيوط ومنها تكون ما تكون؟ كذلك (هي) في تلقائية العطاء وفي جدواه، فهي تنسكب دفقاً من الضياء في القلوب والعقول، وتنسكب حتى آخر قطرة في حوض الحياة).
أشار عيدان إلى أن الأمومة مقرونة دائماً بالعطاء اللامحدود ولا شيء يوازي حجم تضحيات الأم: (أنقارنها بالشمس؟ فشأنها كبير في حركة الفعل والأثر. وشتان بين فعل ينبعث من الأعماق وآخر ينصب من الحواشي. يا صاحبة هذا اليوم الأغر... أيتها الأم / أمي... قليل في عظيم حقك أن نختصك بيوم في عام فنوقفه عليكِ. وأنتِ من أنت في الإيثار والتضحية، فأيامك لنا جميع أيامك، وعلينا موقوف عمرك السري... لكِ المجد أيتها المنذورة للندى والسماح، يا انعطاف السماء نحو الأرض، ويا وريثة الجنان... لك المجد يا أمي ويا كل الأمهات).
الاتصال والانفصال
أكدت الكاتبة فتحية الحداد أن الأم تعني لها إشكالية الاتصال والانفصال، وأنها لم تغب يوماً عن الأعمال الإبداعية:
(لا اعتقد أن (الإبداع)، خصوصاً في الأدب، يتشكّل بحسب خطة إنما يأتي في لحظة إلهام. لا يقول الشاعر أو القاص أريد أن أكتب عن (الأم) ليكتب رواية أو قصيدة، وإن حدث ذلك يصبح العمل متصّنعاً. لا أحب إغفال معنى (اللحظة الإبداعية) التي تكون كومضة، مثلاً أغنية (ست الحبايب) كُتبت نتيجة موقف معين وولدت في لحظة تأثر توجت مشاعر إنسانية تراكمت على مدى أشهر وسنين.
عدا ذلك فالاهتمام بالأم علاقة شخصية، وفي هذه الحالة لا أبحث عن اهتمام المبدع بأمه من خلال أعماله، خصوصاً إذا التزمنا بمفهوم أن الأدب والفن صورة لا حقيقة، وأنهما يقومان على مبدأ الإيحاء.)
أوضحت الحداد أن الأم لم تسقط من حسابات المبدعين، وأن غيابها عن الإبداع (مقولة غير دقيقة)، وذلك بحسب عوامل عدة من بينها، ضرورة اعتماد المقولة على دراسات مقارنة. وبيّنت: (عندما تمسك المغنية الشعبية عودة المهنا بسعف يحترق وتضعه في البحر وتسأل صاحباتها: أشــويـه؟
يعني أنها عبرت عن الأم التي تسعى إلى الطرق كافة للاستعجال بوصول ابنها البحار، فتشعل جانباً من البحر وتحمل قطة ابنها فيصبح مواء القطة صدى لنداء الأم. هذا النموذج، وربما توافر الكثير، يبين أن غياب الأم إذاً ليس في الأعمال الإبداعية، بل في طريقة قراءتنا لها وقصور تأويلنا).
أوضح الكاتب حميدي حمود أن الأم تعني الحياة، الحب، الحنان، الطيبة، الأمان، الجنة والجمال كله، وأنها تؤثر في أولادها المبدعين لعوامل عدة، من بينها أن الأم أول مدرسة يتلقى فيها الطفل مبادئ الحياة كافة، فمعها يبدأ تشكّل لبنة الشخصية الأولى، الاهتمامات وطريقة معالجة الأمور، بالإضافة إلى أن الجينات الوراثية تؤدي دوراً كبيراً في التشكيل أيضاً.
يضيف حمود: (لدي قناعة لا بد من أن أذكرها، فإذا أردت أن ترى طفلاً عبقرياً أو شاباً ناجحاً في ريعان العمر فأبحث عن الأم. ويبقى أنه لكل قاعدة شواذ).