وثائق: رحلة الى الماضي ..... التطورات السياسية في العراق في اعقاب الحرب العالمية الثانية

 
 


    كاميل صبري
عندما اشرفت الحرب العالمية الثانية على نهايتها بدأ يظهر اثر نتائجها المباشرة وغير المباشرة على المسرح السياسي العراقي، ففي منتصف عام 1944 اجبر الوصي عبد الاله نوري السعيد على تقديم استقالته وكلف (حمدي الباجة جي) بتاليف وزارة جديدة سميت بـ (وزارة الوصي) لانه كان ذا اليد الطولى في اختيار اعضاء الوزارة واخذت الوزارة خطوات عدة من اجل اعادة الحياة الطبيعية فسمحت للنشاط السياسي والتنظيم النقابي، واجازة الصحف المحلية كما خففت من حدة تطبيق الاحكام العرفية التي كان معمولا بها منذ فشل حركة مايس 1941.
كان لهذا التغيير الكبير عوامل كثيرة خارجية وداخلية فرضت نفسها على النظام السياسي وحملته على تغيير مساره ومنهجه بعض الشيء من اجل تخفيف تذمر الشعب وتأخير ثورته، وظهور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كدولتين عظميين، كما كان لدخول الاتحاد السوفياتي الحرب الى جانب الحلفاء في (الجبهة الديمقراطية) اثر كبير على نشر الافكار الشيوعية العالمية.



وفسح المجال امام الحزب الشيوعي لممارسة نشاطه من قبل الحكومة وذلك لوقوف الاتحاد السوفياتي الى جانب الحلفاء، وقد اقامت حكومة (الباجة جي) الثانية علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي في نهاية 1944، كما كان لاعلان ميثاق الاطلسي وانضمام العراق الى المؤتمر التأسيسي لمنظمة الامم المتحدة ، وكذلك للدعوة الكثيرة التي اطلقها الحلفاء اثناء الحرب بمنح الشعب العربي حريته واستقلاله والتصريحات العديدة من قبل المسؤولين ضد الديكتاتورية الفاشلة والنازية وضرورة سيادة الديمقراطية والحرية، كان لكل ذلك اثر كبير على انتشار المبادئ الانسانية وحق الشعوب في التحرر والديمقراطية والسيادة الوطنية، وكان لنضال الشعب العربي في فلسطين وسوريا وبسالته من اجل نيل حقه المشروع في الحياة الحرة الكريمة. كل هذه الاحداث العالمية والعربية كان لها اثر واسع وانعكاس مباشر على افكار وطموح الشعب العربي عامة والعراق خاصة، وقد عكست سنوات الحرب الطويلة والازمات الاقتصادية تاثيرها على الاوضاع السياسية الداخلية بشكل مباشر فشهدت الساحة السياسية نشاطا ملحوظا وزيادة كبيرة في الوعي السياسي بين جميع طبقات الشعب العراقي كما كان لزيادة عدد الطلاب وخاصة في المعاهد العالية اثر كبير في تكثيف النشاط السياسي وزيادة فاعليته وانضمام الجماهير الى جانب القوى السياسية المعارضة للنظام الملكي والمؤيدين لبريطانيا وقد كان لحركة مايس 1941 واعدام قادتها الاثر العظيم في زيادة وعي الجماهير العراقيين في معارضة القائمين بالحكم حيث كشفت تلك الاحداث الروح الوطنية العارمة التي يتمتع بها الشعب والجيش العراقي، وكان لوقوف الوصي عبد الاله ونوري السعيد، وبقية الطبقة الحاكمة ضد مشيئة الشعب، وقد مس ارتفاع اسعار بعض المواد الغذائية والملابس وغيرها حياة الشعب اليومية التي عانى منها الامرين لفترة اربع سنوات على الاقل وكان لكل ذلك اكبر الاثر في خلق رد فعل معاد للنظام السياسي ولرجاله الذين انتفعت من سياستهم فئة قليلة من التجار والملاكين ورؤساء العشائر. في عام 1944 احدث تغيير في مواد القانون الاساسي العراقي (الدستور) اعطيت بموجبه الوصي عبد الاله صلاحيات دستورية اوسع من ذي قبل من ضمنها صلاحية اقالة الوزارة فشعر الوصي بقوة مركزه الاداري، واغتر بسلطته الدستورية واستاء من نوري السعيد، وامتداد نفوذه الواسع في اجهزة الدولة، وفي ذلك الوقت اخذ نوري السعيد ينشط على الساحة العربية، فكانت له اتصالات وثيقة مع الساسة العرب ويعمل على حل مشكلة فلسطين ويخطط لتأسيس الجامعة العربية كل هذه العوامل خلقت حساسية واضحة بين الوصي ونوري السعيد كما ان الاستياء العام من سياسة نوري السعيد ومواقفه كان ذا اثر واضح، فقللت بريطانيا من دعمها وتأييدها لنوري السعيد واخذت تنتقد سياسته وتهدده بعواقب الامور، واستغل عبد الاله هذه الفرصة لابعاد نوري السعيد عن الحكم، وانهاء دوره ولوالى حين واخذ يلعب دورا اكبر في بسط نفوذه وتمشية امور الدولة وتحديد سياستها، في 27 كانون الثاني 1945، القى الوصي خطابا في مجلس النواب اعلن فيه عن نية الحكومة في تحقيق اصلاحيات اجتماعية وسياسية واسعة، واكد ضرورة اعادة الحياة السياسية الطبيعية الى العراق بفسح المجال امام قيام احزاب سياسية مختلفة وسن قانون انتخابات جديد وانهاء الاحكام العرفية، وقد اعقب هذا الخطاب استقالة وزارة حمدي الباجة جي وتكليف (توفيق السويدي) بتأليف الوزارة الجديدة التي ضمت عناصر وطنية معتدلة واعترت هذه الوزارة بصفته مؤثر لانتقال العراق الى مرحلة جديدة ووعدت الحكومة الجديدة باعادة الحياة الطبيعية الى العراق وانهاء حالة الحرب والاحكام العرفية الاستثنائية ورفع الرقابة العسكرية واغلاق السجون والمعتقلات واطلاق السجناء واجازة تأسيس الاحزاب السياسية ونقابات العمال وتحديد قانون الانتخابات كما وعدت على رفع مستوى المعيشة لعموم ابناء الشعب وتوزيع الاراضي (الاميرية) عليهم. تعاقب الوزارات في العراق ألف ارشد العمري وزارته في 1 حزيران 1946 على اثر استقالة وزارة (توفيق السويدي) فوقفت الاحزاب السياسية موقفا معارضا من هذه الوزارة وقالت بانها ستواجه مقاومة شعبية اذا اخلت بواجباتها، كما طالبت القوى الوطنية باطلاق السياسية واعتبرته حقا من حقوق الشعب لايستطيع احد سلبه كما دانت الاحزاب السياسية موقف الحكومة من مجزرة (كاور باغي) في كركوك، وفي الاضطرابات الاخرى في القطر على روحها الثورية ورفعت الشعارات التي تطالب الحكومة بالاستقالة لاطلاقها الرصاص على العمال دفاعا عن شركة النفط. وفي 30 اب 1946 عقدت الاحزاب اليسارية الثلاثة (الاتحاد الوطني- الشعب- الوطني الديمقراطي) اجتماعا لبحث الموقف السياسي في العراق، واصدرت احتجاجا على سياسة الوزارة التعسفية وطالبت بتنحيتها واقامة وزارة دستورية يرضى عنها الشعب واضطر ارشد العمري للتخلي عن رئاسة الوزارة فقدم استقالته في 14 تشرين الثاني عام 1946، وبعد ان تاكد عن عدم قدرته على ضرب الاحزاب وعجزه عن اجراء انتخابات بدون حدوث اضطرابات بالاضافة الى عدم رضا الامير زيد نائب الوصي عن اسلوب معالجة الوزارة للموقف وبعد استقالة ارشد العمري الف نوري السعيد وزارته التاسعة في 21 تشرين الثاني 1946 واشترك فيها ممثلون عن بعض الاحزاب كالوطني الديمقراطي والاحرار وقد استنكرت بعض الاحزاب مثل حزب الاستقلال والاتحاد الوطني والشعب مشاركة هذين الحزبين في حكومة نوري السعيد وبهذا حقق نوري السعيد نتيجتين هامتين هما: 1. خلق انشقاق بين الاحزاب وفسخ التضامن والتماسك بينها. 2. اجراء انتخابات نيابية بصورة تضمن نجاح مؤيديه وانصاره. واسرع نوري السعيد بعد ذلك بحل مجلس النواب معلنا ان هدف الوزارة الجديدة هو اجراء الانتخابات النيابية، لقد عملت هذه الحكومة على التدخل بشكل مباشر في الانتخابات ما ادى الى نجاح ممثلي الحكومة، وفشل الاحزاب السياسية في الحصول على مقاعد في المجلس النيابي باستثناء الحزب الوطني الديمقراطي الذي فاز بخمسة مقاعد فقط، وفضحت بقية الاحزاب تزوير الانتخابات واكدت ان المجلس الجديد لايمثل الشعب، ودعت الى انتخاب مجلس نيابي ديمقراطي. كانت النتيجة الاولى لاشتراك الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاحرار في وزارة نوري السعيد القضاء على التعاون الذي كان قائما بين الاحزاب السياسية، ذلك التعاون الذي استطاع الوقوف بقوة ضد وزارة ارشد العمري، فبدات حملات الاتهامات بين الاحزاب وتفرقت صفوفها ما سهل على وزارة نوري السعيد اجراء الانتخابات بالصورة التي تريدها: شنت وزارة نوري السعيد هجوما عنيفا على الاحزاب السياسية ما اضطر ممثلو الاحزاب المشاركة فيها الى الانسحاب واعقب هذا الانسحاب من الوزارة حملة موجهة الى الحياة الحزبية وكانت باكورة اعمال الوزارة في هذا الاتجاه اكتشاف التنظيمات السرية لبعض الاحزاب. نجح نوري السعيد مؤقتا في تحقيق هدفه، ولكنه لم يلبث ان واجه مجددا معارضة شديدة من جانب الاحزاب عندما اتجه الى عقد معاهدة مع تركيا عام 1946 وعندما دارت المفاوضات بين الحكومتين العراقية والبريطانية لعقد معاهدة جديدة بدل معاهدة عام 1930 زادت هذه المعارضة وتحولت الى وثبة وطنية في كانون الثاني عام 1948 وبما ان الاحزاب السياسية الخمسة قد اصدرت بيانا استنكرت فيه الاسلوب المتبع في الانتخابات النيابية ومطالبتهم الحكومة بالاستقالة وحل مجلس النواب واجراء انتخابات نيابية حرة، فقد عقد مجلس الامة اجتماعا غير اعتيادي في 17 اذار واعلن في خطاب العرش استقالة وزارة نوري السعيد وتاليف وزارة جديدة مستقلة وانتخب (عبد العزيز القصاب) رئيسا لمجلس النواب و (صالح جبر) رئيسا لمجلس الاعيان وعقد المجلسان جلسة مشتركة لبحث تطورات القضية الفلسطينية وارسال وفد عراقي للمطالبة باستقلال فلسطين في هيئة الامم المتحدة ومقاطعة البضائع الصهيونية. واعقب استقالة وزارة نوري السعيد في 11 اذار عام 1947 تأليف الوزارة الجديدة من قبل صالح جبر في 29 اذار عام 1947 غير ان الوزارة الجديدة قوبلت بالمعارضة من قبل جميع الاحزاب السياسية التي اعلنت ان الهدف من مجيء الوزارة الجديدة انما هو لتنفيذ السياسة الرامية الى انشاء التكتلات التي تربط العراق بعجلة الاستعمار، ووصفت الوزارة الجديدة بانها جزء من الخطة التي تقرر السير عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لتوجيه سياسة العراق العامة وجهة تؤول من حيث النتيجة الى تحقيق المشاريع الاستعمارية وضياع اماني الامة وامالها والابقاء على الوضع الشاذ. اعلنت وزارة صالح جبر منهاجهاالوزاري الذي تضمن النقاط الاتية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية: 1.تعديل المعاهدة العراقية- البريطانية على اساس ضمان المصالح المتبادلة بين البلدين. 2. اعتبار القضية الفلسطينية قضية العراق بالذات والعمل على انقاذها من الاخطار التي تتعرض لها. 3. تعزيز صلة العراق مع جارها تركيا وايران وتقوية الروابط السياسية والاقتصادية مهما عملا بروح ميثاق سعد اباد. اما من الناحية الداخلية فتضمن المنهاج اصلاح الجهاز الاداري، واصلاح الجيش وتجهيزه بالاسلحة والاليات الحديثة، بالاضافة الى كثير من الامور الاخرى التي تتعلق بالقضايا الداخلية وكانت الازمة الاقتصادية من اهم القضايا التي واجهت حكومة (صالح جبر) وقد ناقشت مقالات عدة هذه الازمة ودعت الحكومة الى انقاذ الشعب منها بدلا من توجيه اهتمامها الى التضييق على الحركة الوطنية. كان عام 1947 عاما ينذر بالانفجار الشعبي بسبب الازمة الاقتصادية وتعاظم الارهاب ضد القوى الوطنية والمعارضة والحركة النقابية وقد استخدمت الحكومة اساليب شديدة ضد الصحافة والاحزاب، ما دفع القوى الوطنية الى مقاومة الحكومة واثارة الاضطرابات ضدها وكانت الاحزاب قد عارضت الوزارة الجديدة لاعتقادها بان الهدف من مجيئها هو تنفيذ السياسة الاستعمارية الرامية الى انشاء التكتلات التي تربط العراق بعجلة الاستعمار. تطور الاوضاع حتى انتفاضة 1952 جرت الانتخابات في ظل حكومة محمد الصدر وبعد انتهائها قدم محمد الصدر استقالة حكومته في 16 حزيران فقبلت في 23 حزيران بعد ان بقي في الحكم 5 اشهر وبالرغم من ان الصدر قد نجح في تهدئة غضبه الشعب الا ان سلطته المتساهلة قد سببت ضعفا في ادارة الدولة فاختار الوصي عبد الاله (مزاحم الباجة جي) لتأليف الوزارة . تعرضت القوى الوطنية والاحزاب السياسية للضغط والارهاب والمطاردة عندما سيطر المؤيدون لمعاهدة بورتسموث على الحكم في وزارة الباجة جي وهي الوزارة التي اعادت الثقة لموقعي المعاهدة بتعيين (شاكر الوادي) وزيرا للدفاع وعودة صالح جبر ونوري السعيد الى بغداد ما ادى الى استياء المعارضة في البرلمان فشنت حملة ضد وزارة الباجة جي وضد اضطهاد الوطنية كما اعلنت الاحكام العرفية ما ادى الى ان يعلن حزبا الاحرار والوطني الديمقراطي تجميد نشاطيهما في مطلع كانون الاول عام 1948 واصدر الحزبان بيانين شرحا فيهما تطور الاوضاع في العراق وسياسة الوزارة في محاربة الحياة الحزبية ولم يبق من الاحزاب العلنية سوى حزب الاستقلال الذي استمر في ممارسة نشاطه السياسي ولكنه كان محدوداً ايضا كما قرر نوري السعيد تاليف حزب سياسي يضم مختلف الاحزاب الوطنية فألف (حزب الاتحاد الدستوري) في نوفمير 1949 واصدر جريدة باسم جريدة الاتحاد الدستوري كما الف (سامي شوكت) احد المقربين لنوري السعيد (حزب الاصلاح) واصدر جريدة الاصلاح ثم قرر نوري السعيد استقالته في 10 ديسمبر 1949 وخلفه في الحكم علي جودت الايوبي وكان من اهم اعمال وزارته الغاء الاحكام العرفية في اواخر عام 1949 ما ادى الى عودة النشاط الى الحركة الوطنية ولكن علي جودت قدم استقالته في الاول من شباط عام 1950 بسبب معارضة المهيمنين على توجيه الحكم لسياسة التقارب مع مصر التي قامت بها وزارة علي جودت وبسبب دعمها للجامعة العربية ورفضها التدخل في شؤون سوريا ومحاولة ضمها للعراق وعلى اثر الاستقالة كلف (توفيق السويدي) يتأليف الوزارة الجديدة وألفت الوزارة في 5 شباط عام 1950 وقرر حزب الاستقلال المشاركة في هذه الوزارة. شهدت بداية الخمسينات بداية لاحداث كبيرة في العراق فتحسنت ظروف الحركة الوطنية واستأنف الحزب الوطني الديمقراطي نشاطه السياسي في اذار عام 1950 وظهرت منظمات جديدة مثل نادي البعث العربي الى جانب عودة النشاط النقابي والعمالي وتاسيس حزب سياسي جديد هو حزب الجبهة الشعبية المتحدة وبروز تنظيم سري ثوري جديد هو حزب البعث قابل هذا النهوض الجماهيري نشاط يميني تمثل بانشاء احزاب حكوميه مثل حزب الاصلاح والاتحاد الدستوري والامة الاشتراكية. انتفاضة تشرين الثاني1952 لعد ان اجتمع مجلس الامة وقرر اجراء انتخابات جديدة استقال نوري السعيد في 10 تموز عام 1952 فألف الوزارة من بعده مصطفى العمري في الثامن عشر من تموز عام 1953 ليقوم باجراء الانتخابات البرلمانية، وفي هذا الوقت حدثت الثورة في القطر المصري في 23 تموز 1953 واطاحت بالنظام الملكي وقد اعطت هذه الثورة المصرية دفعة قوية للمعارضة في العراق فاخذت الاحزاب الوطنية تطالب بالاصلاح العام ففي 28 تشرين الاول عام 1952 قدم حزب الاستقلال والحزب الوطني الاشتراكي وحزب الجبهة الشعبية مذكرات الى الوصي عبد الاله مستنكرة الاوضاع ومطالبة بتغييرها تغييرا جوهريا شاملا كما قدم حزب الامة الاشتراكية مذكرة الى رئيس الوزراء بهذا الشأن وايدت الاحزاب السرية مطاليب الاحزاب الوطنية ثم دعا الوصي عبد الاله الى مؤتمر عقد في البلاط الملكي لمناقشة الوضع السياسي في البلاد وقد حضر الاجتماع رؤساء الاحزاب ورؤساء الوزارات للاجابة على المذكرة ووعدهم باجراء انتخابات حرة بدون اي ضغط او تاثير على اي من الناخبين وفي 2 تشرين الثاني عام 1952، اصدرت الاحزاب الوطنية بياناتها بمقاطعة الانتخابات وعزت اسباب المقاطعة الى انعدام الجو الديمقراطي وتفشي الارهاب والسجون اضافة الى القوانين الرجعية للانتخابات وطالبت باشاعة الحريات الديمقراطية والانتخابات المباشرة وكان اضراب كلية الصيدلة الشرارة الى فجرت الوضع ففي 26 تشرين الاول عام 1952 اضرب الطلاب احتجاجا على القوانين الجديدة التي اصدرتها عمادة كلية الصيدلة وقد استمر الاضراب حتى يوم 1952/11/19 حيث اضطرت عمادة الكلية الى التراجع والغاء القانون ولكن في الوقت نفسه وقع اعتداء على طلبة الصيدلة في 19 تشرين الثاني 1953 فاعلن طلبة الكلية الاستمرار على الاضراب وقد استغلت الاحزاب السياسية حادثة كلية الصيدلة ففي 20 تشرين الثاني 1952 اضربت بقية المدارس والكليات استنكاراً للحادث ومع تطور الاحداث السريع سقطت وزارة مصطفى العمري واحبطت محاولة تأليف وزارة مماثلة برئاسة جميل المدفعي وكان المتظاهرون يطالبون بتأليف وزارة وطنية ائتلافية وقد كان الهياج معبرا عن الوضع السياسي في العراق حيث كانت الطبقات المثقفة والفقيرة في المدن في حالة ثورة ضد الحكومة ولم تتمكن الشرطة من اعادة الامن والنظام لذلك دعي الجيش للتدخل ولكن بامر عدم اطلاق النار وقد حث تطور الحوادث الوصي عبد الاله لدعوة نور الدين محمود رئيس اركان الجيش لتاليف الحكومة فالفها في اليوم نفسه وفي مساء ذلك اليوم اذاع بيانا اعلن فيه ان الوصي ضحه الثقة بتأليف الوزارة واستلام مسؤولية الادارة وحفظ الامن في البلاد. ودعا الشعب للخلود الى السكينة وعدم تعكير الامن في البلاد ودعا الجيش للقيام بواجبه واعلنت الاحكام العرفية ومنعت المظاهرات والتجمعات وكذلك منع حمل السلاح واغلقت الاحزاب السياسية وعطلت الصحف ولكن على الرغم من كل ذلك استمرت المظاهرات وشملت انحاء البلاد كافة وطالب المتظاهرون باسقاط الحكومة وتاليف حكومة وطنية فشنت الحكومة العسكرية حملة اعتقالات شملت جميع قوى الشعب الوطنية وعلى الرغم من ذلك لم تستطع الحكومة انزال ضربة كبرى بالحركة الثورية الوطنية لقد فشلت الانتفاضة في تحقيق هدفها الرئيس في اقامة حكومة وطنية ديمقراطية الا انه من الجهة الاخرى عمقت الوعي الوطني بين الجماهير وزادت عزلة الهيئة المسيطرة ودربت الجماهير وخاصة الجيل الجديد من الشباب على معارك الشوارع، واجبرت الحاكمين على اجراء بعض التنازلات وتحقيق بعض المطاليب منها الانتخابات المباشرة للنواب ومن الدروس الهامة التي قدمتها انتفاضة تشرين الثاني عام 1952 ضرورة وجود جبهة وطنية موحدة ذات منهج متفق عليه فقد كان عدم وجود جبهة وطنية بشكلها التام والرسمي عاملا من عوامل فشل الانتفاضة. كان الاسلوب الذي قمعت به الحكومة انتفاضة الشعب في تشرين الثاني عام 1952 انعطافا في سياسة الحكم في العراق اذ لم يعد يكفيها ما كانت تمارس من اسلوب الحكم الشديد تحت ستار نظام برلماني مزيف بل اخذت تمارس الحكم الديكتاتوري السافر باسم الاحكام العرفية في تلك الاجواء اجريت الانتخابات للمجلس النيابي على وفق مرسوم رقم 9 لسنة 1952 الخاص باجراء الانتخابات على درجة واحدة في 17 كانون الثاني 1953 كما طالبت الاحزاب الوطنية وقد اجريت الانتخابات وفاز معظم النواب بالتزكية، ولم يكن المجلس الجديد بافضل من المجالس السابقة وقدم نور الدين محمود استقاله وزارته في 23 كانون الثاني 1953 وشكلت حكومة مدنية هي حكومة جميل المدفعي في 29 كانون الثاني 1953 وفي 4 مايس انتقلت السلطات الدستورية الى الملك فيصل الثاني تقدم جميل المدفعي استقالته في 5 مايس 1953 وفي السابع من الشهر نفسه الف المدفعي وزارته الجديدة، وعندما الفت الحكومة الجديدة تقدمت الاحزاب الوطنية بمذكراتها مطالبة بالغاء قرار غلق الاحزاب وبالغاء الاحكام العرفية وبرفع الرقابة عن الصحف ولم تستجب الحكومة لاي من المطاليب فاخذ الحقد الشعبي يتصاعد بالرغم من الاحكام العرفية وبالرغم من كل اساليب القمع الوحشية فاضرب عمال النفط في مصفى الدورة في مايس 1953 وتبعهم عمال السكك كما اضرب العمال في شركة نفط البصرة احتجاجا على عدم استجابة الشركة لمطالبهم التي تقدموا بها ومنها ما يتعلق بتأسيس نقابات عمال الشركة وقد رفضت الشركة بعض مطاليب العمال ما ادى الى نشاط الاحزاب في البصرة فاعلنت الاحكام العرفية في المدينة وقد ايدت الحركة الوطنية مطالب العمال كما اضرب عمال شركة دخان الرافدين في بغداد احتجاجا وتأييدا لمطالب وموقف عمال شركة نفط البصرة وطالبوا بتحقيق مطاليبهم وبعد ان رآى فاضل الجمالي رئيس الوزراء معارضة نوري السعيد صاحب الاكثرية البرلمانية لاعمال ومشاريع وزارته وبعد ان فشل في حل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة قدم استقالته في 19 نيسان 1954 واسندت الوزارة الى ارشد العمري فالقها في 29 نيسان 1954 وحل المجلس النيابي في اليوم نفسه واجرى الانتخابات النيابية ثم قدم استقالته في 17 حزيران 1954 وقبلت استقالته في 4 اب 1954 وكلف نوري السعيد بتأليف الوزارة فاخد يمهد الطريق للانتخابات بعد ان حل البرلمان. كما اصدر مراسيم عدة مقيدة للحرية، وقد احتجت الاحزاب السياسية على صدور هذه المراسيم وطالبت بالغائها وقد حلت وزارة نوري السعيد الثانية عشرة الاحزاب السياسية القائمة على اثر صدور مرسوم الجمعيات رقم 19 لسنة 1954 في 23 ايلول 1954. ونتيجة للظروف التي كانت تمر بالعراق عادت فكرة الجبهة الوطنية من جديد وعلى اسس جديدة وبنطاق واسع ما كانت عليه عندما تشكلت لخوض انتخابات 1954 ففي عام 1955- 1956 جرت اتصالات بين القوى الوطنية المختلفة وكانت الانتصارات التي احرزها الشعب العربي في سوريا ومصر والاردن وتصاعد الثورة في الجزائر وافتضاح الدور الذي لعبته الحكومات العراقية وتأزم الوضع الداخلي وتعقيد مشاكل الجماهير الحيوية وتدهور الاقتصاد الوطني وتقييد الحريات الديمقراطية كل هذا صهر الافكار الوطنية المتباينة في بودقة الجبهة الوطنية وعندما وقع الاعتداء الثلاثي على مصر التهبت المشاعر الحية في الشعب العراقي وكان لهذا الامر دوره الحاسم في تبلوره في جبهة الاتحاد الوطني.

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار وثائق
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في وثائق:
رحلة الى الماضي ..... التطورات السياسية في العراق في اعقاب الحرب العالمية الثانية