يمضي المؤلف في هذه الحلقة في إبراز عوامل التماثل والاختلاف بين الإمبراطورية البريطانية ونظيرتها الأميركية الأحدث، حيث يشير إلى أن بريطانيا حرصت في العقود الأخيرة من عمر إمبراطوريتها إلى انتهاج أسلوب خاص في السيطرة والاستعمار يقوم على تنصيب حاكم من سكان البلاد الأصلية يكون تابعاً لها في الولاء والمصالح بينما تتولى هي مسألة استغلال موارد البلاد وخيراتها الاقتصادية وجعلها في الوقت نفسه سوقاً استهلاكية لمنتجاتها كما حصل في مصر بخلاف ما كان سائداً في الهند التي كان يحكمها نائب الملك البريطاني وهذا الأسلوب هو ما تنتهجه الولايات المتحدة حالياً في البلدين اللذين غزتهما وهما أفغانستان والعراق، أي أن كلاً من الإمبراطوريتين عملتا على تنفيذ مشروع رأسمالي يخدم مصالحهما. ويورد المؤلف كذلك عنصر تشابه آخر بين الإمبراطوريتين وهو المبرر الإنساني الذي تسوقه القوة الغازية لقيامها باحتلال الدول والسيطرة على الشعوب وممارسة أبشع السلوكيات بحقها. فالإنجليز قالوا إنهم يريدون أن يجلبوا الحضارة إلى الهند عندما استعمروها والأميركيون يقولون إنهم يريدون أن ينشروا قيم الحرية والديمقراطية ويخلصوا الشعوب من نير الديكتاتورية والقمع.
ولكن مؤلف الكتاب يتساءل: ما هو البديل الذي ستطرحه أميركا في حال فشل الخيار الديمقراطي؟ نظراً لأن مؤلف هذا الكتاب أستاذ جامعي مرموق، فقد دفعته نزعته الأكاديمية إلى دعوة قرائه لكي يراجعوا كلمة (استغلال) ومعناها ودلالاتها في القاموس. وبديهي أن الاستغلال سلوك مرفوض إذ ينطوي على معاني الطمع والجشع والظلم الذي يلحقه الإنسان بأخيه الإنسان. وبديهي أيضاً أن الإمبراطورية البريطانية وسائر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ القديم والمعاصر قامت على أساس قهر الشعوب عسكريا ثم استغلالها اقتصاديا ومن كل الوجوه. لكن ها هو المؤلف يفتح معنا (ص 44) قاموس أكسفورد وهو المرجع - العمدة في مفردات الانجليزية فإذا بكلمة (استغلال) تنصرف إلى المعنى الذي تجسده حرفيا العبارة التالية: الإفادة والانتفاع من احد الموارد المتاحة. وبعدها لا يتورع المعجم اللغوي المعتمد عند الانجليز من إلحاق معنى توضيحي آخر يقول بالتالي: إن هذا الانتفاع يتم لصالح الطرف (المستغِل) وأيضا لصالح أطراف أخرى. ويعلق المؤلف على ذلك قائلاً: هكذا كان أهل العصر الفيكتوري في إنجلترا (القرن 19) ينظرون إلى تجارتهم واستثماراتهم وتطورهم الصناعي في العالم الأوسع نطاقا. وبعدها يلمح المؤلف أيضا إلى أن الأميركيين استعاضوا عن كلمة (استغلال) بكلمة أخف وقعا وربما أشد دهاء أو براءة كما قد نسميها، وهي كلمة (بزنس) بمعنى التجارة والتبادل والمشاركة الاقتصادية حيث تنصرف إلى معنى (العمل) بشكل عام. والأدهى إن كان من أهل العصر الفيكتوري في انجلترا من أضفى على هذا الاستغلال الإمبراطوري الانجليزي مسحة دينية، ومنهم مثلا عدد من المبشرين الدينيين الذين كانوا يروّجون لفكرة أن الهند لم تكن (مستعمرة) لا يتورع الانجليز عن قهر أهلها ولا استغلال مواردها ولا استعمار أراضيها .. بل العكس في رأيهم هو الصحيح! هدية الرب... يقول مؤلف الكتاب: كانوا يعتقدون أن الهند هبة (أو هدية) أعطاها الرب لبريطانيا لكي تهديها بريطانيا (شخصيا) إلى طريق المسيح. وهو التفسير الوحيد الذي ساقوه أيامها لتلك السهولة التي استطاعت بها بريطانيا استعمار شبه القارة الهندية. وبهذا المنطق المعوّج كان هناك من يقول أن الإمبراطورية - بمعنى الاستعمار والاستغلال الامبريالي - كانت خيرا وبركة لصالح أهل المستعمرات. وربما كان يتعين عليهم أن يشكروا الرب ويقدموا آيات الطاعة والولاء إلى الذين (تفضلوا) عليهم بخدمة الاستعمار والاستيطان. عند هذا المنطق يتوقف المؤلف ليقول: مع ذلك، انطوى الأمر على أشكال من ذلك (الاستغلال الرأسمالي) لم تكن مفيدة ولا خيرا ولا بركة من قريب أو بعيد على شعوب المستعمرات. هنا يقف كتابنا بالتحديد عند جانب مقيت وبغيض من جوانب التجربة الكولونيالية التي جسدتها الإمبراطورية البريطانية: انه جانب العبودية .. تجارة الرقيق. وهنا أيضا يتجلى النفاق الإمبراطوري الانجليزي في أوضح معانيه .. ومن آيات هذا النفاق أن يتباهى الانجليز بأنهم كانوا الأسبق إلى إلغاء العبودية في عام 1834 .. وهذا حقيقي ولكنه جزء من الحقيقة ولا يمثل كل الحقيقة التي ظلت شاهدة على أن سوق العبودية الرسمية تحولت بعد قانون 1834 إلى سوق رقيق غير رسمية للاتجار في السلعة (البشرية) على شكل ممارسات للسخرة والعمالة المقهورة واستغلال عرق الكادحين التعساء من شباب ورجال المستعمرات .. في الهند وفي أفريقيا بالذات لاستخراج المعادن الثمينة من المناجم، أو لاستغلال الموارد الخشبية والطبية من الغابات، أو للعمل الإجباري فوق متن السفن التي كانت تشكل قطع أسطول صاحبة الجلالة التي ظلت تمخر أعالي البحار حاملة علم الإمبراطورية الذي كان يخفق عاليا ومن تحته (تئن جموع من الملونين) من أبناء آسيا وأفريقيا وأميركا الكاريبية الوسطى الذين كانوا يكدحون ويعرقون ولا ينالون سوى فتات يقيم الأود ويبقي عليهم أنفاس الحياة كي ما يعاودوا العمل الجبري من جديد. صور بشعة إلى جانب هذا الاستغلال المشين الذي يعرض له الكتاب ضد هذا النوع البشري، كان هناك جانب آخر يشير إليه المؤلف من سلبيات التجربة الإمبراطورية البريطانية. هو جانب الاستيطان. وفي هذا السياق يقول المؤلف: المستوطنون (الاستعماريون) كانوا معروفين بأنهم أسوأ عناصر التجربة الكولونيالية ، أو كانوا الأحرص على المال لدرجة الشحّ والتقتير، وكانوا الاقسى والانكى من حيث اللامبالاة بالحقوق الانسانية والاقتصادية لشعوب المستعمرات. وفي هذا الاطار أيضا يسهب المؤلف في عرض الصور، بالغة البشاعة لسلوكيات مستوطني الامبراطورية البريطانية . وعندنا أن التاريخ لن ينسى يوما تلك المذابح التي ارتكبها مستوطنو استراليا - الانجليز اصلا - بحق الشعوب الاصلية من سكان تلك القارة الجنوبية المنسية، او التي كانت كذلك في عصر الامبراطورية. ولا ينسى المؤلف ايضا ان يصف المستوطنين، سواء في تجربة استراليا أو في تجربة العالم الجديد بأميركا، بأنهم كانوا أكثر العناصر تعصبا من الناحية العنصرية، وأشد العناصر إمعانا في السلوك الامبريالي بمعنى النهم الى السيطرة والجشع نحو الاستغلال في غمار احتياجاتهم التي لم تكن ترتوي يوما نحو الأرض والعمالة. وهذا الجشع هو الذي أعمى عيونهم عن أي نوازع انسانية ، بقدر ما ظلوا ينطلقون من نظرة استعلائية تقول بأن الشعوب الاصلية التي كانت تعيش في تلك الاصقاع التي وصلت اليها جنود الامبراطورية البريطانية، كانت شعوبا أقل مرتبة وأدنى قدرا، ومن ثم فهي مطية طبيعية لكل صنوف القهر والظلم والاستغلال ناهيك عن المحو والابادة. في كل حال يرصد المؤلف - من منظوره الأكاديمي المتعمق - مسارات تطوّر التجربة الامبراطورية البريطانية حيث تحوّلت معه أو من خلاله من حالة الاستعمار الاستيطاني السافر والصريح على نحو ما شهدته أفريقيا السوداء (روديسيا مثلا) الى نوع من الاستعمار (المعدّل) ان صح التعبير . وهو ينطوي على بعدين أساسيين أولهما: ممارسة السيطرة الامبريالية من فوق وبشكل غير مباشر وتحت شعارات براقة وجذابة بقدر ما أنها مفعمة بالرياء والنفاق السياسي، وذلك لخدمة البعد الثاني وهو الأهم، ويتمثل في السيطرة الرأسمالية - الاستغلال المالي والاقتصادي الذي يمثل في رأينا جوهر التجربة الامبراطورية وميراثها الاستعماري في التحليل الأخير. هنا يسوق المؤلف بالذات (ص 48 وما بعدها) تجربة مصر العربية مع الاستعمار البريطاني. ففي عام 1882 كانت الملكة فكتوريا تعيش أوج مجدها بعد أن تربعت على عرش الامبراطورية البريطانية لأكثر من 35 عاما. وفي سبتمبر من ذلك العام فرضت بريطانيا - بفعل نيران الاسطول - سيطرة وسلطة الأمر الواقع كما يسميها المؤلف على مصر . ورغم الحمم التي قذفتها سفن الأميرال سيمور على مدينة الاسكندرية في ذلك الشهر، إلا أن العالم تسَامَع في نفس الفترة بالخطب والتصريحات والوعود البراقة الصادرة عن رئيس وزراء الامبراطورية غلادستون بأن الاسطول البريطاني لم يكن يهدف إلى ضم الشمال المصري من وادي النيل إلى ممتلكات صاحبة الجلالة الامبراطورية - وقصاراه أن يندب نفسه لأداء مهمة (انسانية) قوامها (تحرير) مصر(!) من الادارة المستبدة للخديوي المحلي ... الخس ومن ثم فهذا وعد من رئيس وزراء لندن بجلاء قوات الامبراطورية البريطانية عن مصر فور أن تستقر الاوضاع وتهدأ النفوس. وهكذا قالت التصريحات التي قصدت بالطبع الى تهدئة نفوس الأطراف الدولية - المتنافسة أصلا مع بريطانيا وفي مقدمتها الفرنسيون والاتراك العثمانيون فيما استمر الوجود البريطاني الاستعماري لأكثر من 70 عاما حتى وقع الصدام التاريخي مع مصر - عبد الناصر في عام 1956 وبعدها اضطرت بريطانيا الى الجلاء عن هذا الشمال من وادي النيل. يوضح المؤلف أن هذه الأعوام السبعين لم تشهد نمطا تقليديا من الاستعمار المتعارف عليه، بل كان النمط هو نوع من الالحاق بكيان الامبراطورية البريطانية مع بقاء المقاليد المحلية في مصر بيد أبنائها ، ولكن مع بقاء المقاليد الاقتصادية - مصائر البلاد الحقيقية من ناحية المال والاعمال والاستثمار بيد أعوان الامبراطورية. من هنا فلم يكن من المصادفات العابرة ، كما يوضح كتابنا أن لا يعينوا في مصر حاكما بريطانيا أو مندوبا نائبا عن الملكة كما كان الحال في مستعمرة الهند على سبيل المثال، بل عينوا مسئولا يحمل صفة المقيم او المعتمد البريطاني وكان ينتمي إلى عائلة عريقة في بريطانيا تخصصت في دنيا المال والأعمال وبالذات في أنشطة البنوك والسندات والمضاربات والبورصات وهي عائلة بارنغ التي جاء واحد من أهم اعضائها . وهو السير ايفلن بارنغ ليحكم مصر من وراء ستار الاقتصاد والاستثمار الاستعماري، ويخدم الامبراطورية البريطانية ليحصل في نهاية المطاف على لقب اللوردية ويصبح اسمه في التاريخ هو (اللورد كرومر) الذي اصبح مرادفا لمعاني السيطرة الامبراطورية والنفوذ الامبريالي والنزعة الاستعمارية في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين لدرجة أن تردد شعوب المستعمرات قولة أمير الشعراء شوقي في بيته الشهير: نيرون: لو أدركت عصر كرومرٍ لعرفَت كيف تُنَفَذ الأحكام وهكذا ربط الشاعر العربي بين الطاغية نيرون واللورد كرومر وكأنه يربط بغير قصد بين امبراطورية روما وامبراطورية بريطانيا عبر الحقب والأزمان. المشروع الرأسمالي عند هذا المنعطف من الخطاب الفكري الذي يسري في سطور الكتاب يعقد المؤلف مقارنة بين السلوك الإمبراطوري لبريطانيا في القرن التاسع عشر وبين السلوك السوبر - إمبراطوري لأميركا مع هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. ان محور التماثل في هذه المقارنة يتمثل عند مؤلف الكتاب في شيء واحد: المشروع الرأسمالي. والمعنى أن بريطانيا، وفي ضوء تجربتها في مصر بالذات، لم تكن تريد أن تحكم بنفسها ولا أن تخلق طبقة حاكمة تسيطر على مقاليد أمور وادي النيل بطريقة مباشرة . كانت مصر بالنسبة للإمبراطورية البريطانية مشروعا رأسماليا واسع الأرجاء - مزرعة للقطن لصالح مصانع يوركشاير الانجليزية ، وسوقا واعدة وشاسعة لتصريف منتوجات تلك المصانع وما في حكمها من مواقع الإنتاج التي تحفل بها رقعة الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغرب عن أرجائها. وعند الضفة الأخرى من المقارنة ، يحلل المؤلف سلوك الولايات المتحدة في سطور يقول فيها: هذا هو السبب في أن قوة رأسمالية عاتية في أيامنا مثل الولايات المتحدة - ليست حريصة على أن تحكم الأقطار التي غزتها مؤخرا مثل أفغانستان والعراق - بقدر ما أنها ليست مؤهلة، كما قيل، لإتقان هذا الأسلوب المباشر من حكم الأقطار والشعوب. يواصل مؤلفنا الحديث في هذه النقطة . فيقول: إن الجانب الايجابي من المقارنة أو الاختلاف بين الإمبراطورية (البريطانية) والسوبر - إمبراطورية (الأميركية) هو أن الأخيرة على استعداد - لدرجة الحرص البالغ وربما اليائس أحيانا - لتحويل الحكومة القائمة في منطقة الغزو إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا وبأسرع ما يمكن، بيد أن الجانب السلبي من هذه المقارنة هو أنه في حال فشل هذه الجهود، يعني فشل الخيار الديمقراطي (وهو غالبا خيار ليس أصيلا في حالة الغزو) تظل السوبر - إمبراطورية خالية الوفاض ويظل الأميركيون عاجزين عن تقديم بديل معقول. رد الجميل بمناسبة العلاقة، ومن ثم المقارنة بين هذين النمطين، العادي والسوبر من التجارب الإمبراطورية، يلفت مؤلفنا النظر إلى أشعار (رديارد كبلنغ) وهو أيضا شاعر الامبريالية البريطانية وخاصة في الهند - هذا الشاعر .. الاستعماري كما قد نسميه .. دعا أميركا منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى مشاركة بريطانيا في الاضطلاع (بعبء الرجل الأبيض) .. وتحت شعار أن كلا البلدين موكّل بتمدين شعوب المستعمرات والأخذ بيدها كي تخرج من دياجير التخلف إلى نور الحضارة وفي جهد لا ينتظر جزاء ولا شكورا. لكن شعوب المستعمرات ما لبثت أن ردت (الجميل) الامبريالي عندما ثارت على من احتلوها واستغلوا مواردها. ومن عجب أن تندلع ثورة الهند في خمسينات القرن الثامن عشر. ويقابلها الانجليز بموقف يوجه الملام للهنود لأنهم جاحدون ومنكرون لجميل بريطانيا التي كان من الواجب شكرها على أنها (تفضلت) باستعمار بلادهم بمعنى أن أشاعت في شبه القارة الهندية أنوار الحضارة ومشاعل المدنية(!) لهذا لم تتورع الإمبراطورية البريطانية عن إطلاق مصطلح (التمرد) على ثورة الهند ومقاومتها لواقع الاستعمار (لاحظ التماثل مع مصطلح التمرد المستخدم أيضا في تجربة العراق الراهنة). وقد أفضى استخدام وصف التمرد إلى أن العسكرية الاستعمارية عمدت إلى إخماد ثورة الهند بأبشع الوسائل وأشدها وحشية ولا إنسانية . كيف لا وقد صوّر المؤرخون الانجليز الأمر على أن الهنود عضّوا اليد التي أحسنت إليهم وأقامت على ربوعهم نعمة الاستعمار وخيرات الاحتلال وبركة الإمبراطورية . والأدهى أن كان من هؤلاء المثقفين الانجليز من كان يحمل صفة الكاتب الليبرالي أو المثقف داعية الحرية والديمقراطية. الاستعلاء العنصري مع هذا كله تبدو تجربة بريطانيا الإمبراطورية، في نظر مؤلف الكتاب - تجربة حافلة حتى لا نقول ثرية أو متعددة الأبعاد . ها هو يؤكد بأن سلطات الاستعمار البريطاني في الهند وفي أفريقيا على سبيل المثال لم تكن تقتصر وحسب على الضباط العسكريين ولا على الحكام المدنيين . بل كانت تضم أخلاطا وأشتاتا من الشخصيات والاهتمامات والتوجّهات والاختصاصات، كانت تشمل مثلا التجار ، منظمي المشاريع الرأسمالية - المستوطنين - المبشرين بالمذاهب الدينية (المسيحية طبعا) فضلا عن عناصر المكتشفين والرحالة والمغامرين وكانت هذه العناصر تتحرك بقدر لا يخفى من حرية التصرف وحرية التخطيط وحرية المبادرة، لا تتقيد بأوامر صارمة صادرة عن المتربول أي عاصمة الإمبراطورية في لندن . وكان هذا هو الطابع الذي جعل التجربة الإمبراطورية البريطانية تختلف أو تتميز عن تجارب إمبراطورية واستعمارية سابقة مثل اسبانيا أو البرتغال حيث كانت المستعمرة وأهلها ومصائرها خاضعة للتحكم والسيطرة من العاصمة الكبرى سواء في مدريد أو لشبونة. من هنا كانت وزارة المستعمرات في لندن تكتفي بالتنسيق وإصدار توجيهات ذات طابع فضفاض ، من بعيد لبعيد كما يقال، فيما تترك أمور الممتلكات الإمبراطورية إلى سلوك ومبادرات المستوطنين والرأسماليين والإداريين والرحالة والمغامرين. هنالك انهالت قصائد المديح على أعوان الإمبراطورية المخلصين الذين صورت أدبيات المرحلة تضحياتهم في سبيل خدمة صاحبة الجلالة .. الملكة فكتوريا .. يروحون ويجيئون في الأحراش والأدغال والغابات الهندية أو الأفريقية أو الكاريبية، يرتدون سراويلهم الكاكي القصيرة . وفوق رؤوسهم القبعات والخوذات الصفراء السميكة وعلى ملامحهم تنساب حبات العرق وعلى ألسنتهم رطانة يحاولون من خلالها التفاهم مع الوطنيين أو أولاد البلد ، أو السكان الأصليين وكانوا يستخدمون في وصفهم مصطلحا أقرب إلى الاستهانة وأبلغ تعبيرا عن قدر لا يخفى من الاستعلاء العنصري ، وهو بالانجليزية مصطلح (Natives). والمهم أن هذه التجربة البريطانية في مضمار الكيان الإمبراطوري كان لها دروسها المستفادة التي ما لبثت أن انعكست - بصورة أو بأخرى - في التجربة الأحدث والأكثر عنفوانا ومعاصرة وهي تجربة أميركا في المجال السوبر - إمبراطوري