تأليف :برنارد بورتر
عند هذا المنعطف من الكتاب نحن على موعد مع الانتقال إلى الظروف الموضوعية التي أفرزت الفكر أولاً ثم السلوكيات الإمبريالية الأميركية، فيما يكاد يعكس علاقة توالدية بين الإمبراطورية البريطانية والسوبر إمبراطورية الأميركية، ومن هنا يتم استعراض العضلات الأميركية الذي يأخذ شكلاً جديداً مختلفاً أملاه وجود قوة أخرى هي الاتحاد السوفييتي بكل الظلال التي ألقاها على الساحة الدولية
بعد أن استوفى مؤلف الكتاب أطراف الحديث عن تاريخ وسلوك الإمبراطورية البريطانية، وخاصة على امتداد القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين، كان من الطبيعي أن يتحول بأدوات العرض والتحليل التاريخي إلى الحديث عن القطب الآخر من مقولات هذا الكتاب. هكذا يشرع المؤلف في تناول الولايات المتحدة الأميركية السوبر إمبراطورية، كما يسميها. وقبل الولوج في هذا الموضوع يطرح على نفسه وعلى القراء هذا السؤال: * هل كانت أميركا حقاً دولة استعمارية؟ ـ ثمة اجابة يجريها المؤلف على لسان أكاديمي أميركي مرموق هو البروفيسور "لورنس سومرز" الذي تولى رئاسة جامعة هارفارد وفي معرض المقارنة بين بريطانيا وأميركا يقول الدكتور سومرز: بريطانيا كانت قوة عتيقة تعودت على غزو الشعوب وضم أراضيها إلى ممتلكاتها أما أميركا فكانت أول قوة قارية - أو أنها كانت الدولة - القارة الأولى التي جمعت بين التطلع إلى خارج حدودها ولكنها كانت أيضاً أول قوة غير امبريالية في التاريخ. هنا يتدخل مؤلف كتابنا ليقول بغير مواربة ما يلي: هذا غير صحيح (ص 62)، وعلى مدار القرن التاسع عشر وخلال فترة لا يستهان بها من القرن العشرين، كانت كل من بريطانيا وأميركا تتابعان الخطى حثيثاً على ذات المسار الاستعماري. ثم يستطرد مؤلفنا ليقول: وليس لأحد أن يدهش من هذه الحقيقة لقد كانت أميركا وبريطانيا بلدين متشابهين وقت أن وقع الانفصال بينهما (يقصد استقلال أميركا في عام 1776). ومن ثم فقد تطورت كل منهما بعد ذلك على نفس المسار. بعدها يمضي المؤلف ليعدد أوجه التوازي والتشابه موضحاً كيف عمد الطرفان إلى إلغاء العبودية، وتوضيح رقعة المشاركة السياسية، وفسح المجال أمام المرأة للحصول على حقوق المواطنة أسوة بالرجل.. واذا كانت بريطانيا قد احتفظت بالملك أو الملكة على رأس الحكم ولم تستعض عن ذلك بوجود رئيس للبلاد يحكمها من البيت الأبيض في واشنطون. فقد حلت بريطانيا المشكلة عندما عمدت بالتدريج وباستمرار إلى تقليص سلطات صاحب العرش الساكن في قصر بكنجهام في لندن. الأمة الاستثناء مع ذلك علينا أن نشير ـ مع المؤلف ـ إلى بعض الاختلافات بين القوتين: ومنها ظاهرة احتفاظ بريطانيا بالطبقة الارستقراطية (البارونات واللوردات ومن في حكمهم) ومع ذلك فقد عرفت أميركا نوعا خاصا بها من الفئات الارستقراطية التي جمعت بين وفرة الثروة واتساع النفوذ ولكن لم تحمل نفس الألقاب الرسمية الفخيمة، أما الاختلاف الذي يحلو للأميركان أن يسوقوه فهو أن واشنطن لم تعرف يوماً حكاية الحكم الامبريالي أو الغزوات الاستعمارية لأراضي الآخرين - ولكنه اختلاف في دلالات الألفاظ أو معانيها كما يشير مؤلف الكتاب فالإمبرالية تشير إلى النفوذ والهيمنة قبل ان تشير بالذات إلى الغزو المسلح من البر أو البحر، ثم ماذا يقال عن الغزو والاحتلال الأميركي لبلد مثل الفلبين في شرقي آسيا؟ وماذا يقال أيضاً عن الفكرة الثابتة التي زرعها الأميركان داخل عقولهم، وتلخصها عبارة جوهرية تتردد في أدبيات السياسة الأميركية وفي الوجدان الجماعي للشعب الأميركي والعبارة تقول بالتالي: نحن نشكل الأمة ـ الاستثناء. ومن مفكري أميركا من فسر هذا الاستثناء على أن الولايات المتحدة لم تكن قوة إمبريالية ولا كيانا إمبراطوريا. ولكن ها هو المؤلف يميل إلى أقوال الرئيس الأميركي جون كوينسي آدمز (في الفترة 1821 ـ 1829) الذي تنبأ في زمانه بأن أميركا سوف تسيطر يوماً على أصقاع الشمال (كندا إلى القطب الشمالي) وعلى أرجاء الجنوب من البحر الكاريبي إلى قارة أميركا اللاتينية. والمهم أن فكرة التوسع (الإمبراطوري كما قد نسميه) ظلت مطبقة داخل حدود الكيان الأميركي ذاته من الشمال إلى الجنوب ومن الساحل الشرقي على المحيط الأطلسي إلى الساحل الغربي على المحيط الهادي. ويومها لم يطلقوا على هذا التوسع الذي نشأت بفضله الولايات المتحدة الحديثة صفة "الامبريالية" بل وصفوه بأنه "فتح" الغرب الأميركي. واستند مبرر هذا التوسع إلى أن الذين يقومون به هم رجال "أحرار" أو هكذا عينوا أنفسهم "بعد قدومهم مهاجرين أو نازحين أو هاربين من أوروبا عبر المحيط الأطلسي: ومن ثم اصطنعوا لأنفسهم حقوقاً في التوسع والاستيطان وطرد سكان وشعوب أميركا الأصلية ومحاصرتها وقتالها ومن ثم تحديد إقامتها ومعيشتها داخل نطاق ومعازل ما برحت قائمة حتى هذا اليوم. من هنا لا يتردد المؤلف في توصيف توسّع مستوطني أميركا صوب الغرب من حوض نهر المسيسيبي إلى كاليفورنيا (على الشاطئ الباسيفيكي) بأنه عملية اتسمت تماماً بملامح امبريالية، بمعنى أنها كانت عنيفة ومسلحة وتجاهلت تماماً مطالب ومعايش السكان الأصليين تحت شعار رفعه المستوطنون الأوروبيون وهم أسلاف الأميركان المعاصر وهو شعار "تيراي نوللوس" أي الأراضي التي لا يملكها أحد أو الأراضي المشاع وهذا بالضبط ـ كما يحكي عنه المؤلف أيضاً ـ نفس الشعار الذي رفعته الامبريالية البريطانية عند استعمارها أراضي كندا واستراليا وأقطار الجنوب من القارة الإفريقية. وعندنا أيضاً فهو الشعار الذي رفعه المستعمرون الصهاينة الأوائل حين قدموا لاستغلال واحتلال الأراضي العربية في فلسطين تنفيذا لوعد بلفور الشهير الصادر في خريف عام 1917. ومن سمات التماثل التي يلمحها ويرصدها المؤلف أيضاً بين "الحالة الإمبراطورية" البريطانية ونظيرتها الأميركية تلك السلوكيات التي تجمع بين الروح العنصرية وبين وحشية المجازر لتحقيق أهداف الاستيطان الاستعماري. ممتلكات الإمبريالية نزيد سمات التماثل أيضاً عندما نعرف أن الولايات المتحدة امتلكت أجزاء من أراضيها من أيدي قوى أوروبية أخرى (اسبانيا وفرنسا وروسيا) وأيضاً من جارتها الجنوبية في المكسيك بأساليب جمعت بين الحرب أو الشراء أو بكلا الأسلوبين، وهو ما دأبت بريطانيا على اتباعه في الفترة بين هزيمة نابليون عام 1815 ونشوب الحرب العظمى الأولى عام 1914. ومن أوجه التماثل أيضاً أن انعكست التجربة الامبريالية البريطانية (غزو الهند مثلاً) في كتابات وروايات واشعار الأدباء الانجليز (الشاعر كبلنغ أو الروائي فورستر مثلاً) بقدر ما انعكست مع تجربة أميركا التي كانت أوفر حظاً بحكم حداثة الوسائل المستخدمة في أدبيات الغرب الأميركي التي صورتها أفلام "الوسترن" ومغامرات رعاة البقر الاندفاعية المحمومة لأخلاط البشر بحثا عن الذهب وكلاهما أوجد أساطير وبطولات كرستها السينما بجميع ألوان الطيف. ـما الذي دفع التجربة الأميركية إلى أن تحاكي تجربة بريطانيا في ميدان الاستعمار؟ هذا الدافع مشترك عند المؤلف بين كل الدول والممالك والكيانات السياسية التي تخرج بعيدا عن حدودها الجغرافية بحثا عن النفوذ والسيطرة والهيمنة بصورة أو بأخرى على أراضي ومقاليد الآخرين. باختصار، هذا الدافع توجزه كلمة واحدة هي: الاقتصاد. ان الدافع أو العامل الاقتصادي هو الذي يدفع إلى الخروج بهدف التبادل التجاري مع أطراف أخرى منبثة هنا أو هناك على خارطة الكرة الأرضية: أنت تختار البيع وأنا أختار الشراء.. أنت تنتج وأنا استهلك. وهذا النمط من التبادل التجاري أو المصلحي كان يستوجب بحكم التعريف حرية التنقل ورفع الحواجز وتأمين الحركة الطليقة أمام السفن والناقلات والقوافل التجارية وما في حكمها. ولهذا فقد احتوت الأدبيات السياسية الأميركية على مصطلح فريد هو: "امبريالية الباب المفتوح" وهذا المصطلح هو الذي يقف عنده المؤلف ملياً ليقول: إن هناك من المفكرين الراديكاليين من يصفه بأنه الجد الأعلى لدعوة العولمة الرائجة في عصرنا. في إطار هذا التوجه الامبريالي ـ الانفتاح كما قد نسميه ـ لم تتوان أميركا عن إبرام معاهدات تجارية مع الصين، ولا عن فرض اتفاقات مماثلة على اليابان عند منتصف القرن التاسع عشر، ولا عن ضم واحتلال واستيطان مناطق نفوذ في جزر متناثرة بالمحيط الهادي ولا عن اتباع سياسة التهديد بالبوارج البحرية... إلى آخر ما في جعبة السلوك الاستعماري ـ الامبريالي ـ من مفردات وأنماط. لهذا لم يكن جديدا ولا مستغربا أن يكتمل السلوك إلى حيث البناء أو الهيكل الإمبراطوري بمعناه المتعارف عليه عندما أقدمت أميركا بعد الفترة 1897 - 1989 إلى ضم أقطار وشعوب في هاواي والفلبين وبورتريكو وغوام وساموا في الكاريبي أو الباسيفيكي وعندما استولت على كوبا ثم عهدت بإدارتها إلى العناصر المحلية. وبعدها استولت بل انتزعت منطقة قناة بنما بكل حيويتها الاستراتيجية من دولة كولومبيا اللاتينية لكي تضمها إلى مناطق نفوذ السوبر ـ امبراطورية، المحكومة من واشنطن وكان ذلك في عام 1903 على وجه التحديد. صحيح ان كانت تلك مناطق وممتلكات صغيرة الحجم: أين منها مثلا ممتلكات الامبراطورية البريطانية الشاسعة في إفريقيا؟ لكن الصحيح أيضاً ان السوبر ـ امبراطورية المستجدة على خارطة السياسة العالمية لم تتطلع إلى إفريقيا لأنها لم تكن مهتمة بها، بل كان اهتمامها منصّبا أو يكاد على إيجاد مواقع ومرتكزات استراتيجية تتيح حرية التجارة من جهة وحرية الحركة للأساطيل الأميركية من جهة أخرى. وصحيح كذلك أن ارتفعت أصوات ودعوات في أميركا مثلا تطالب على نحو ما نشرته صحيفة اقتصادية أميركية في عام 1885 باتباع "سياسة خارجية أميركية شديدة المراس وقوية الشكيمة تهدف ـ كما أضافت الصحيفة ـ إلى فتح الأسواق التي تصلح لنا باستخدام القوة" وهو ما يصفه المؤلف بأنه بدايات الامبريالية الاقتصادية التي مارستها واشنطن منذ تلك الفترة. دعوة للشراكة الاستعمارية عند هذه النقطة يقف المؤلف مليا ليطل من منظور التحليل على صورة هذا النزوع الامبريالي الأميركي منذ أواخر القرن التاسع عشر. ان تنامي روح الرأسمالية في الشخصية الأميركية أدى إلى استمرارها في اتباع نمط التوسع والاستيطان داخل حدودها في قارة أميركا الشمالية. لكن هناك من مفكريها من قال إن أميركا ستظل بحاجة إلى التوسع ما أن تصل إلى آخر نقطة في تلك الحدود، ومن ثم يظل محتما عليها أن تواصل حركتها إلى الخارج كي ترتاد أقطارا وأصقاعاً أخرى. خاصة وأن عملية الانتاج الأميركي مع أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين ما لبثت أن أسفرت عن زيادة الصادرات على الواردات مما خلق فائضا كان بحاجة إلى تصريف. وعندما ألمّت أزمة الكساد الداخلي كان ذلك دافعاً إضافياً لالتماس أسواق جديدة خارج الحدود. هنالك أدرك الانجليز، بحكم خبراتهم المحنكة السابقة، ان بإمكانهم دعوة أميركا بكل قوتها الشابة إلى أن "تشاركهم" حركة الاستعمار. كان ذلك مع فاتح القرن العشرين وهي فترة شهدت بدايات التصدع في البنيان الإمبراطوري البريطاني، وكانت الدعوة إلى أن تشارك أميركا تحمّل "العبء" الإمبراطوري وهو ما احتوته قصيدة الشاعر الاستعماري كبلنغ التي وجهها إلى الرئيس الأميركي ماكنلي. وقد جاء من بعده الرئيس تيودور روزفلت الذي أبدى اهتماماً حقيقيا بمشاركة الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية وبادله هذا الاهتمام سيسيل رودس رجل الامبريالية الاستعماري العتيد الذي استثمر بلايينه في احتلال واستغلال منطقة الجنوب الإفريقي. وبفضل هذا الإعجاب المتبادل بين قطبي الاستعمار في لندن وواشنطن فإن هناك حتى الآن 32 منحة من مجموع المنح التي رصدها رودس للدراسة في جامعة اكسفورد ما زالت محجوزة باستمرار لصالح الدارسين الأميركيين. ـ هل كان ويلسون استعمارياً؟ رغم أن التاريخ الأميركي الحديث يشيد باستمرار بالنقاط الأربع عشرة التي أذاعها الرئيس الأميركي ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى ومنها حق الشعوب في تقرير المصير، فإن الكتاب يكشف من ناحيته عن جانب نراه استعماريا بصورة أو بأخرى في الفكر المثالي الذي أشيع عن الرئيس ويلسون نفسه، حيث يؤكد المؤلف أن ويلسون هو صاحب فكرة السيطرة، ولو بشكل مختلف أو بعد التعديل، على ممتلكات القوى المهزومة في الحرب ـ الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية العثمانية. وهذه الفكرة صاغها ويلسون على شكل انتداب بريطانيا على العراق وفلسطين وانتداب فرنسا على سوريا ولبنان. ويلسون نفسه هو من أعطى مساندته المتحمسة كما يقول المؤلف لضم الفلبين إلى أميركا. يصف المؤلف هذا النمط من التفكير بأنه نوع من "الاستعمار.. الليبرالي(!)" لكن للمسألة وجها آخر: أنه وجه النزعة المعادية للامبريالية. وقد أبدى هذا الوجه رئيس أميركي آخر هو فرانكلين روزفلت الذي قاد بلاده إلى انتصار الحرب العالمية الثانية وقد حدث أن قرر روزفلت رغم مشاكله الصحية زيارة أجزاء من الإمبراطورية البريطانية في إفريقيا وكان ذلك في أوائل عام 1943 ولأمر ما اختار روزفلت أن يزور "جامبيا" وكان هذا البلد الفقير جزءاً يعاني الإهمال الجسيم والأحوال شديدة البشاعة من حيث الفقر والتخلف لدرجة أن هتف الرئيس الأميركي بوجه صديقه البريطاني تشرشل قائلاً: الأحوال هناك أقرب إلى بقعة من الجحيم فالناس متخلفون بمقدار 5 آلاف سنة إلى الوراء والمرض ضارب أطنابه.. وهذا أبشع ما شاهدته في حياتي. وما كان من تشرشل أن رد في خطاب عام أطلق فيه شعار "أرفعوا أيديكم عن الإمبراطورية البريطانية" والواقع أن كان تشرشل ومن على شاكلته من حراس الإمبراطورية الاستعمارية كانوا يدركون على نحو أو آخر أن دوافع أميركا لم تكن نبيلة باستمرار ولا كانت إنسانية أو بريئة على طول الخط (ص 81) كان منهم من يتصور أن المسألة تتلخص في أن أميركا ـ مع عقد الأربعينات وانتهاء الحرب العالمية - كانت تعتمد أجندة مستترة ومفادها أن تحل محل بريطانيا. بمعنى أن تحتل مركز القوة الاقتصادية الامبريالية الأولى في العالم ـ أو بمعنى آخر أن تشهد المرحلة تصدع ومن ثم انهيار الإمبراطورية البريطانية كي تحل محلها - ولو بأساليب مغايرة ـ السوبر ـ إمبراطورية التابعة للأميركان. والحق أن هذه الأساليب الأميركية المستجدة كانت تتحرك مع عجلة التاريخ بمعنى أن كانت تستند إلى ما طرأ على خارطة العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من تطورات. السير على حبل مشدود من هنا لاحت خلافات بين الحليفتين عبر ساحلي الأطلسي وخاصة فيما يتعلق بمعاملة المستعمرات البريطانية وسكانها وشعوبها ومقاليد أمورها. من هذه الخلافات مثلاً ما كان متصلا بضرورة إعداد تلك الشعوب لنوع من الحكم الذاتي أو الاستقلال السياسي أو الإشراف الدولي على تلك الأقطار التي خضعت قرونا لسيطرة بريطانيا أو تحرير تجارتها بحيث تخرج من ربقة الهيمنة الامبريالية.. وبلغ الأمر أن أُضطرت بريطانيا إلى أن تعلن على لسان وزير مستعمراتها بأن الحكم الذاتي هو الهدف النهائي الذي تتوخاه لندن للمستعمرات البريطانية ولكن ضمن كيان الإمبراطورية البريطانية. على الضفة الأخرى من القضية ـ كانت أميركا تستعد لتسلم مقاليد دورها الجديد، ـ الإمبراطوري إن شئت ـ في عالم ما بعد الحرب - منتصف الأربعينات إلى الخمسينات بوصفها الوريث المؤهل للإمبراطورية البريطانية التي آذنت شمسها إلى المغيب. وعليه فقد شرعت واشنطن، كما يشير المؤلف، في استعراض عضلاتها من أجل إثبات الذات في هذا المضمار، ولكن بأساليب جديدة لم تكن لتمليها نوازع التطور وحسب بل أملتها بالدرجة الأولى حقيقة نشوء قوة مستجدة وقتها اسمها الاتحاد السوفييتي أو فلنقل الكيان الإمبراطوري السوفييتي الذي كان يقوده الكرملين الروسي من العاصمة موسكو. لهذا كان على السياسة الأميركية مع عقد الخمسينات أن تتوخى الدقة المرهفة الشديدة في تسيير دفتها: بين مراعاة تحالفها وشراكتها الوثيقة تاريخيا مع بريطانيا، وبين تلهفها إلى بناء كيانها السوبر المرتقب. كان على هذه السياسة أن تنقل خطاها فوق حبل مشدود ـ هذا هو التعبير الذي أطلقه يومها وزير خارجية أميركا الشهير ـ جون فوستر دالاس