سياسية: الاحزاب السياسية في الوطن العربي واشكاليات العلاج

 
 


يذهب معظم الباحثين في النظم السياسية الى انتهاج مبدأ تصنيف النظام السياسي لبلد ما على اساس شكل النظام الحزبي فيه ، بوصفه مدخلا - صادقا - لدراسة كل متغيرات وخصائص العملية السياسية ويعكس حقيقة الايديولوجية الحاكمة من حيث درجة انفتاحها او  انغلاقها على الاخر  او بمعنى اخر ينطلق الاخذ بالنظام الحزبي بوصفه معياراً لتصنيف الدول العربية ، على اساس الهامش المتاح لمؤسسات المجتمع المدني ، ومن ضمنها الاحزاب السياسية للمشاركة في الحياة السياسية والحكم ، وبالتطيبق على المنطقة العربية ، نجد ان هذه المشاركة تتحدد وفق ثلاثة اتجاهاات اهمها الاستبعاد سواء بموجب النص عليه به السلطة الحاكمة قيوداً على حرية التعبير ويحرم  بالتالي تشكيل احزاب سياسية ،او تضع  بقانون تضع قانوناً يسمح بتعدد الاحزاب لكن تعطي سلطة تقرير نشأتها من عدمه للاهواء والدوافع الخاصة بالنظام ، اما الاتجاه الثاني فيتمثل في رفض بعض الجماعات ترفض نفسها المشاركة في  الحياة البرلمانية او الحزبية بحجة ما تتضمنه من تشريعات تتناقض مع عقيدتها والاتجاه الاخير يذهب الى ترك الباب مشرعاً للمشاركة في العملية السياسية.
 استناداً لما سبق يمكن رسم الخريطة الحزبية في الوطن العربي على النحو التالي :
1-دول تسمح بالعمل الحزبي وهي الاردن والسودان واليمن وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وجبيوتي وجزر  القمر والصومال وفلسطين ومصر .



2-دول تسح لاحزاب وتمنع اخرى مثل العراق في فترة النظام السابق وسوريا وهما عمليا اقرب الى الحزب الواحد . 3-دول لاتأخذ بنظام الاحزاب مثل جميع دول الخليج العربي (السعودية، الكويت، البحرين،قطر، الامارات، عمان) ويدخل ضمن هذا التصنيف ليبيا التي استحدثت نوعاً من المشاركة السياسية عبر الية المؤتمرات الشعبية . تتسم الاحزاب السياسية في الوطن العربي بسمة رئيسة مشتركة طبعت الحياة الحزبية والسياسية في بلدانها ، سواء على مستوى مؤسسة الحكم ام مستوى الحزب نفسه ، وهي غياب الديمقراطية ، وكان لغياب الديمقراطية في البلدان العربية موروث تاريخي مستمد من الفترة التي اعقبت استقلال هذه الدول، اذ اصطدمت القوى او الاحزاب المتكتلة في جبهة واحدة بعد ان جمعها حلم نيل الاستقلال عن المستعمر ، بالاطروحات العديدة والمتناقضة لشكل الدولة الجديدة المزمع بناؤها ، قاد ذلك الى انقسامات عدة وحادة في بعض الاحيان في صفوف الجبهة الوطنية ، واستغلت السلطة التي كان لها رجحان الكفة في الحكم، الاوضاع لتفرض منطقها وايديولوجيتها ، وكان عليها التعامل مع الاخر اما بأسلوب الاقصاء مثلما حدث في سيطرة حركة القوميين العرب على الحكم في اليمن الجنوبي، او الابعاد ووقعت البلاد العربية جراء ذلك في دوامة من العنف والعنف المضاد ، وساقت السلطة العديد من الذرائع لتبرر شرعيتها في السيطرة على الحياة السياسية والحزبية مثل الهام القوى او الاحزاب المعارضة بالعمالة لقوى ومصالح خارجية او تخوفها من انقسام البلاد الى احزاب متعددة متصارعة فلجأت الى منعها . لكن مع تنامي قوى المعارضة المرافقة للضغوط السياسية من جانب المنظمات الدولية وغيرها ،التزمت السلطة بضرورة فتح الباب امام الديمقراطية ، وفي الحقيقية ، لايمكن اغفال ان بعض الدول فتحت الباب امام حرية المشاركة السياسية وتأسيس الاحزاب لكن المتمعن بجوهر الحياة الديمقراطية في عالمنا العربي يجد انها لم ترق الى مستوى تقييم هذه التجارب لعدم ترسب الحد الادنى من الرصيد الصالح للتقييم ، حيث سادت الشرعية الثورية المستمدة من النضال ضد المستعمر او ضد القوى المرتبطة باطراف خارجية مثال سوريا والعراق والجزائر ، وسادت في بلدان اخرى شرعية تقليدية قائمة على اساس الدين والتاريخ مثال سلطة الملك في المغرب ، باعتباره محور كل التفاعلات السياسية والحزبية واستمد سلطته من كونه اميراً للمؤمنين (الامامة) فالملك كما يقول الحسن الثاني هو (فوق الجميع واب الجميع وراعي الجميع ) ان فلسفة هذه السلطات التقليدية ماتزال سارية الى وقتنا الحالي ، واقتضى وجودها ضرورة وجود حزب سياسي حديدي لمواجهة قوى الرجعية الاستعمارية وتهميش الاحزاب الاخرى او وجود احزاب سياسية موالية للحكم وذلك في البلدان التي تسمح بالتعددية السياسية ، وغاية ذلك مواجهة تكتل قوى المعارضة الوطنية وتحجيمها في مفاوضاتها معها بشأن الاصلاحات السياسية والمؤسساتية وهذا الامر كان له انعكاسات كبيرة على مجمل العملية السياسية وعلى بنية الاحزاب السياسية نفسها ؛ اذ شجعت السلطات قيام احزاب سياسية عدة ادت الى تشرذم وانقسامات في الاحزاب القائمة ،وبخاصة الاحزاب الجبهوية الموجودة في المغرب والجزائر ، وفي الاخيرة على سبيل المثال - انشأت الحكومة او جبهة التحرير الوطني معظم الاحزاب اما الاحزاب التي كانت قائمة انذاك فقد لجأت الى تأييد السلطة، الامر الذي افقد البلاد فرصة حقيقية للوصول الى الديمقراطية من خلال وصول المعارضة الحقيقية للسلطة . ان الديمقراطية لم تترسخ في ثقافة جميع البلدان العربية لا ن استمرار منطق الثورة والكفاح الوطني ،من دون ان يتأثر مفهوم الاحزاب بالحداثة والعصرنة ، ادى الى ان يصبح الحزب او الجبهة هو الدولة والحزب والامة وعندما فرضت الديمقراطية من خلال انتخابات تشريعية تؤدي الى استلام المجتمع لمؤسساته الشرعية من سلطة الثورة قامت السلطة الحاكمة انطلاقا من هذا المنطق ومن امتلاكها للدولة والامة برفض نتائج الاقتراع في الجزائر مثلا حيث اقصت جبهة الانقاذ عن السلطة ، وكان من نتائج ذلك استمرار العنف الى اليوم وينسحب الامر عينه على مصر ولكن بطريقة اقل دموية فقد استطاع الحزب الوطني الحاكم ان يجند مؤسسات الدولة لخدمة مصالحه واهدافه الحزبية مما جعل الممارسة الديمقراطية او المشاركة السياسية مفرغة من محتواها ,. ان غياب الديمقراطية او هيمنة الافكار التقليدية ، رافقت اغلب الاحزاب السياسية ، التي سعت الى الاستحواذ على السلطة من منطلق التحرر والتنمية ، ولم تعر اهتماما للاليات الموجودة في المجتمع للحصول عليها ، الامر الذي اكتشفت فيها الديمقراطية بصورة متأخرة وفور اعتماد الديمقراطية تناولتها بطريقة غير سليمة نتيجة ضغط منطق الثورة وصعوبة تجاوز هذه الافكار لانعدام الاسس الثقافية لديها كثقافة المشاركة والاختلاف مما غدا عصيا عليها (الاحزاب ) الانخراط بشكل فعلي في دينامية التغيير الديمقراطي السلمي . نتيجة لهذه الافكار اصبحت الممارسات غير الديمقراطية تغلف باوراق ملونة جميلة وذلك استجابة للضغط الخارجي من دون ان تلمس حقيقة الانتقال للديقراطية . ولكي تفي السلطات الحاكمة في الوقت الحاضر بالمتطلبات التي تفرضها عليها المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الانسان والعولمة وجذب الاستثمارات، كان عليها ان تسن التشريعات وتضع الدساتير فأنشأت مجالس برلمانية شكلية حافظت على هيمنةالسلطة التنفيذية على السلطة التشريعية واخذت تعين المرأة وزيرة ونائبة ، واعطت كوتا للاقليات ، كل ذلك لالمجرد الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها ومصالح منتفعيها بقدر ماهر تعبير عن افتقادها لثقافة الديمقراطية بوصفها شرطا لازماً لاية ممارسة للشأن العام فيصبح شكل الحياة الحزبية على ماهو عليه الان من سيطرة الحزب الحاكم او الواحد او القائد - على اختلاف التجارب في الدول العربية - على المركز او النواة وتعددية شكلية في الهوامش . اي بجملة بسيطة ، تستعين الحكومات سواء كانت حزباً ام سلطة بالديمقراطية من منطلق الحاجة اليها ثم ترفضها عندما تحقق غرضها منها ، لان استمرارها في انتهاجها يعد تهديداً حقيقياً لوجودها . ان التامر يصبح بغياب معارضة ديمقراطية ، الشكل الوحيد للعمل السياسي ، والعنف لغة الاقناع الوحيدة ، الامر الذي يصبح فيه سيف الارهاب مسلطاً ، وتصبح القاعدة الرئيسة هي قاعدة الالغاء تحت سيف الارهاب ، ويصبح الحزب الحاكم مؤسسة حكم اكثر من كونه مؤسسة مجتمع مدني ، ففي مصر ظهرت جميع الاحزاب بموجب احكام قضائية وسيطر الحزب الوطني الدستوري على الحكم لفترة طويلة ، وفي البحرين تحولت الاحزاب السياسية الى جمعيات لم يسمح لها الى اليوم بالتحول الى احزاب ، وفي الاردن تم الغاء الاحزاب السياسية منذ عام 1957 والى 1989 وفي الجزائر تم اقصاء جبهة الانقاذ وتم توجيه ضربات قاسية وعنيفة للتيارات والاحزاب الاسلامية في اغلب الدول العربية وغيرها من الاجراءات الاقصائية التي اتبعتها السلطات الحاكمة ، النابعة من غياب ثقافة الديمقراطية . وقد خطت السلطة الحاكمة خطوة اكبر نحو تعزيز وترسيخ هذه الثقافة بالنص عليها بالدستور ، واسبغت عليها بالتالي شكلا يتوافق مع السلطة ، ويصبح الدستور شكلا ومضموناً متوافقاً معها ، ففي الاردن على سبيل المثال لم يشر قانون الاحزاب رقم 32 لعام 1992 المعمول فيه اليوم في معرض تعريفه للحزب السياسي ، الى ان من اهداف الحزب الوصول الى السلطة من اجل تنفيذ برامجه وادبياته الحزبية ، وهي سمة فاصلة بموجب ادبيات وتعريفات المفكرين السياسيين والقانونيين للتمييز بينه وبين غيره من الجماعات السياسية مثل جماعات الضغط التي تسعى للتاثير على السلطة وليس حيازتها التي هي من مهام الحزب السياسي . اما الاحزاب المعارضة للسلطة فقد نظرت الى مفهوم الديمقراطية وتطبيقاتها بصورة لا تختلف عن نظرة السلطة الحاكمة اليها ، ونظر جزء منها الى الياتها المتمثلة بالتعددية بوصفهاترسبات فكرية برجوازية يجب رفضها ، مثال حركة القوميين العرب ، كما رفضت الحركات القومية الاخرى فكرة الديمقراطية لان ممارستها التاريخية والسياسية دفعتها الى ان تكون كذلك اما الحركات اليسارية والاشتراكية فقد وجهت سهام النقد للديمقراطية باعتبارها مفهوما غربيا واستعاضت عنه بمفاهيم اخرى ، مثل الديمقراطية الصحيحة او ديمقراطية الشعب العامل ، كما فعلت الحركة الناصرية او الاجتماعية عند الحزب القومي السوري او الديمقراطية القومية كما فعلت الاحزاب الشيوعية ، او الحرية كما هو خطاب البعثيين ، كان رفض هؤلاء للديمقراطية ينبع من رفض ما سمته بالديمقراطية اللبرالية او البرجوازية او الغربية ، ان غياب ثقافة الديمقراطية انعكست كذلك على بنية الحزب نفسه وعلى نظرته للقضايا المعاصرة ، وعلى عملية اتخاذ القرار بحيث يصبح كل اختلاف في الرأي عبارة عن شقاق يتوجب استئصاله واستئصال من يقف وراءه وتتخذ هذه التصفيات في الاحزاب الشمولية الحاكمة على سبيل المثال طابع التصفيات الجسدية (حزب البعث في العراق وسوريا ) او السجن (الحزب الوطني في مصر) او النفي والاقامة الجبرية (مثل حكومة الانقاذ في السودان ) لقد اثبتت التجارب الحزبية في وطننا العربي الكبير هشاشة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وضعف الوعي السياسي في مٍسألة من اهم مسائل كينونتها واستمرارها ، وهي زرع الديمقراطية فيها بوصفها اسلوبا للحكم وادارة المجتمع سواء اكان الحزب في الحكم ام في المعارضة . لعل افضل ما تختم فيه هذه الفقرة ما قاله جورج حبش وهو احد المؤسسين لحركة القوميين العرب (انه لو قدر له ان يعيد تأسيس الحركة لكان قد اسسها على اسس ديمقراطية).

رائد فوزي احمود  باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية ، عمان - الاردن

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار سياسية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في سياسية:
الطهطاوي رائد وصاحب مشروع نهضوي