دراسات اقتصادية: 1956 العام الفاصل لسياسة أميركا في الشرق الأوسط والمجر

 
 


يجد القارئ هنا نفسه على موعد مع رحلة يمضي به المؤلف في إطارها مجتازاً قرابة نصف قرن من عام 1958 الذي يرى فيه عاماً فاصلاً في تطور السياسة الأميركية الخارجية وصولاً إلى اليوم، حيث نجد أميركا نفسها قوة عالمية وحيدة، قوة إمبريالية، هي السوبر إمبراطورية في أقصى تجلياتها.
"نعم كانت أميركا أقرب إلى لاعب السيرك الذي تَعيَّن عليه أن ينقل خطاه بمنتهى الحذر وهو يسير فوق حبل رفيع مشدود كان هذا هو تعبير جون فوستر دالاس وزير خارجية أميركا في أول عنفوان الحرب الباردة، وقد أدلى بهذا التصريح بالذات في عام 1956، العام الذي يشكل في التاريخ الحديث معلماً بارزاً، ان لم يكن نقطة تحول جوهرية، في مسار الأحداث في عالم النصف الثاني من القرن العشرين. ويكفى أن يشهد ذلك العام أثنين من الأحداث التاريخية المشهودة.
* كان أولها في شرقي أوروبا حيث اندلعت ثورة المجر ضد النظام الشيوعي وأيضاً ضد السيطرة الامبريالية الروسية ـ السوفييتية التي كان هذا الحكم يستند اليها.
* الثاني هو اشتعال حرب السويس التي انطلقت شرارتها في الشرق الأوسط بعد قرار الزعيم العربي جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس بمعنى انتزاعها من أيدي مستغليها في انجلترا وفرنسا وإعادتها إلى أصحابها العرب الشرعيين في مصر
حالتان من التوتر



هكذا سادت حالتان من التوتر الشديد المنذر بالخطر المحدق والجسيم في منطقتين حساستين من مناطق العالم: أوروبا الشرقية والوسطى، ثم الوطن العربي والشرق الأوسط. لهذا جاءت تصريحات دالاس التي أجادت توصيف السلوك والموقف الأميركي إزاء هذه الأوضاع في العبارات التالية: "كنا نسير فوق حبل مشدود.. ما بين مساندة إمبراطوريات أوروبا (فرنسا وبريطانيا) ومحاولتنا أن نكسب صداقة الأقطار التي كانت أيامها تهرب من نيران الاستعمار". هنا يضيف مؤلف الكتاب قائلاً: كان هذا الوضع أو الموقف يمثل مشكلة لها خصوصيتها في العالم العربي بالذات، بكل ما يشكّله من أهمية حيوية بطبيعة الحال لكل من بريطانيا وأميركا: أولا في مجال إمدادات النفط، وثانيا بحكم مساندة أميركا لإسرائيل التي سبق . وأعترف بها الرئيس ترومان في عام 1948 بل كان ترومان أول المعترفين بها حيث جاء ذلك على عكس نصيحة وزير خارجيته في ذلك الحين، ومن ثم فقد وضعت الرئاسة الأميركية رهانها على إسرائيل. ثم جاء الخلاف الذي اتسعت شقته بين بريطانيا وأميركا في نوفمبر 1956. كما يوضح المؤلف، حين رفض الرئيس آيزنهاور أن يؤيد غزو بريطانيا لمنطقة قناة السويس بل توعّدها الرئيس الأميركي بالدمار (من الناحية الفعلية كما يؤكد المؤلف) اذا لم تنسحب لأنه وضع حساباته على أساس أن يكسب العرب إلى جانبه (ص 85).. وربما كان في ذلك الموقف من جانب واشنطن، مجسّداً في خلافها مع لندن، ما أطاح بفكرة المشاركة المقترحة بين الجانبين في "مقاولة" الاستعمار.. وفي الوقت نفسه أدى إلى تجنب أميركا مغبة الوقوع ولو إلى حين في فخ الامبراطورية. والحق أن أميركا كانت تشيح الطرف واقعياً عن حكاية "الإمبراطورية" وهي كلمة مبغضة في القاموس الأميركاني، وربما كانت تفضل أوصاف الاستثمار الاقتصادي أو فتوحات الغزو الثقافي الذي لا يستعمل البوارج أو الأساطيل بقدر ما يستفيد من "تصدير" أو "بيع" أو ترويج وتزيين أسلوب الحياة الأميركي بكل إغراءاته ما بين أفلام هوليوود الملونة وسراويل الجينز وقمصان التي شيرت ومشروبات الكولا وموسيقى الجاز والديسكو. وكلها أساليب لم تكن لتفوت على مروجي الامبراطورية - الامبريالية البريطانية في زمان مضى ومنها مثلا ـ كما يشير المؤلف ـ سراويل الكاكي وبدلات التوريد الصوفية وربطات العنق الملونة ولعبة الكريكت ومباريات كرة القدم. حربا الأفيون والسجائر في نفس السياق يمضي المؤلف إلى تقصي عوامل التماثل حين يقول أن انجلترا عمدت إلى إخضاع الإرادة الصينية من خلال إشعالها حرب الأفيون.. وفيما لم تشهد أميركا مثل هذه الحرب التي يدينها التاريخ المعاصر،فقد كانت لواشنطن من جانبها حرب قريبة الشبه بحروب الكيف أو المزاج وهي حرب الدخان.. التبغ ـ السجائر الأميركاني التي غزت أرجاء العالم بل بلغ الأمر في عام 1990 ان استطاعت شركات الدخان الأميركية ان تجبر تايلاند على رفع الحظر الذي كانت قد فرضته على استيراد السجائر الأميركية لأسباب صحية.. وفي هذه الحالة لم تستخدم أميركا البوارج ولا الفرقاطات بل أفادت من التهديدات التي أصدرتها وقتها منظمة التجارة العالمية. الأمر الذي دفع كتابنا (ص 87) إلى أن يعلق قائلا: ان هذا نموذج للتماثل الكيفي بين سلوك إمبراطورية (بريطانية) وسوبر ـ إمبراطورية (أميركية) حيث لم تتورع الأخيرة عن وضع حرية المتاجرة في مرتبة سابقة على صحة السكان المحليين أو مصالحهم.. فضلا عن الخطر المهلك الناجم عن السلعة ذات الصلة بالموضوع سواء كانت أفيوناً يؤدي إلى غيبوبة البشر أو كانت طباقا تحمل سحائبه أدخنة أخطر الأمراض المدمرة لصحة الإنسان. نفس التماثل بين الإمبراطوريتين يلمحه ويرصده ويعرضه المؤلف في مجال النفاق والمعايير المزدوجة في السلوك السياسي العام سواء عند بريطانيا ـ القرن التاسع عشر أو عند أميركا ـ القرن العشرون. لقد استخدمت بريطانيا حرب الأفيون ومعاهدات التجارة ومؤامرات السياسة وضغوط الدبلوماسية لإخضاع الصين وجنوب الشرق الآسيوي لإدارة لندن. ومن جانبها تستخدم أميركا نفوذها شبه المهيمن على مؤسسات من قبيل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لإجبار هذا البلد أو ذاك على فتح حدوده أمام تسويق مصنوعاتها وصادراتها، وأيضاً على رفع قيود الحماية المفروضة على صناعات ومنتوجات تلك الأقطار. وفي الوقت نفسه لا تتورع أميركا عن الإبقاء على التدابير والقوانين الحمائية التي تسبغها على صناعتها المحلية بشكل عام وعلى حاصلاتها الزراعية بشكل خاص. يحدث هذا كله تحت الشعارات الأثيرة البراقة التي ما برحت تروّج لها الميديا الأميركية بكل إمكاناتها ومهاراتها، وفي مقدمتها الشعار الشهير الذي حاول به دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق أن يبرئ فيه ساحة واشنطن من تهمة السلوك الإمبراطوري أو النزعة الامبريالية (بمعنى الاستعمارية) حين قال: نحن لا نتعاطى (مهنة) الإمبراطورية. ولم يكن مصادفة أن انطلق هذا التصريح في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.. ولا كان مصادفة أن ثارت قضية الإمبراطورية الأميركية ـ السوبر كما نسميها مع مؤلف الكتاب بعد أن قررت أميركا أن تغزو بلدين في الشرق الأوسط والأدنى أولهما أفغانستان في أكتوبر عام 2001 وثانيهما العراق في مارس 2003. وعندما أطلق رامسفيلد تصريحاته بنفي احتراف الإمبراطورية كان طبيعيا أن تساندها تصريحات مؤازرة أخرى صدر أولها عن تشيني نائب الرئيس الأميركي وقال فيها: لو كنا إمبراطورية في واقع الأمر لكنا نسيطر الآن على مساحة أكبر من سطح الأرض، وبعدها أيضاً جاء خطاب الرئيس بوش ليقول فيه: ليست لدينا رغبة في السيطرة ولا طموحات إلى إمبراطورية. مشروع القرن الأميركي لكن المؤلف لا يلبث يتساءل في هذا السياق: إذن ماذا نسمي سلوك الهيمنة والغزو العسكري والدعائي الاقتصادي الذي تمارسه واشنطن؟ وكله يتم (من جانب عصبة المحافظين الجدد) تحت شعارهم الذائع الأثير: القرن الأميركي الجديد. يقول مؤلف الكتاب: ان الحدث (الحقيقي) الذي أدى إلى ترسيخ نزعة الهيمنة الأميركية وقع قبل سنوات قلائل من فاجعة 11 سبتمبر. انه انهيار سور برلين في عام 1989 وكان في ذلك آية على تداعي الإمبراطورية السوفييتية التي كان الجدار المذكور رمزاً وتجسيدا لها. وقد نجم عن هذا الحدث الخطير أثران: الأثر الأول أدى إلى رفع كل قيد أو كل كابح على قوة أميركا وقدراتها، وحق لها أن تواجه كل الأطراف الدولية الأخرى قائلة: ها آنذا قد أصبحت القوة الأعظم (السوبر باور) الوحيدة بغير منازع في العالم. والغريب ـ يضيف المؤلف ـ انها كانت أول قوة عظمى بهذا المعنى. فحتى بريطانيا لم تتمتع يوماً بهذه المكانة المتفردة، ففي أوج عزها الإمبراطوري كان ينافسها في حلبة النفوذ العالمية أطراف أخرى، أما الإمبراطورية الرومانية (والبعض يجعلها نموذجا فريداً في هذا المضمار) فقد كانت مسيطرة أو مهيمنة على الجزء الذي كان معروفاً في عالمها أو بالأحرى الذي كان معروفاً لقارة أوروبا في ذلك التاريخ القديم ـ ولكن ها هي أميركا وقد بدا الأمر مع عقد التسعينات، وكأنها قادرة على أن تفعل ما تشاء وكيفما تشاء دون منازع أو منافس.. عندما جاء بوش للحكم أما الأثر الثاني فقد نجمت عنه فرصة أتاحت لأميركا ـ ان شاءت ـ ان تعود إلى عزلتها القاريّة من جديد. والحاصل أن الرئيس بوش الابن جاء إلى الحكم في واشنطن دون أن يبدي اهتماما ظاهرا أو شغفا عميقا بأمور العالم الخارجي أو قضايا السياسة الدولية بل كان يجهلها إلى حد بالغ ويدل على ذلك المقابلة المتلفزة التي حاصروه فيها فلم يستطع ان يتذكر أسماء معظم قادة العالم الخارجي. وكان بوش قد بدأ ولايته بنقد سياسة سلفه كلينتون من الإسراف في عمليات "التدخل الإنساني" والتوسع في التعاطي مع قضايا السياسة الخارجية، وقد عبرت عن هذه النزعة مستشارته كوندوليزا رايس حين قالت: ان سياسة أميركا الخارجية ينبغي ان تكون مقصورة على الدفاع عن مصالحنا القومية وفي حدود التجارة العالمية.. ويومها أيضاً رأى المراقبون ان في ذلك عودة إلى انعزالية العشرينات من القرن الماضي. من ناحية أخرى، لا يفوت مؤلفنا ـ بحكم مهنته الاكاديمية ـ ان يؤكد ان هذه المسألة كان لها وجهها الآخر في سياسة الإدارة الأميركية. وكان هذا الوجه - ولا يزال - مرتبطا برؤية وتوجهات الجماعة التي حملت صفة "المحافظون الجدد" الذين أحدقت عناصرهم بقيادات إدارة بوش في كل دوائر الحكم وهندسة السياسات ووضع القرارات في العاصمة الأميركية، هذه الرؤية ارتكزت إلى ما يلي: اعتماد سياسة خارجية من شأنها أن تؤدي بجسارة مباشرة إلى نشر وترويج المبادئ (وليس مجرد المصالح) الأميركية خارج الحدود.. وتعزيز قيادة أميركا واضطلاعها بمسؤوليات القيادة العالمية والكوكبية. أما تعريف هذه المسؤولية عن قيادة العالم أو الكوكب فقد أورده المحافظون الجدد في عبارات تقول: ان تكون أميركا قادرة على أن تهزم أي عدو، وتقهر أي خصم، وتواجه أي موقف مستخدمة في ذلك ما يتراءى لها من عمليات عسكرية. ثم وقعت نازلة 11 سبتمبر عام 2001م وبعدها تحركت الجيوش وهاجت ميديا الإعلام. وفي هذا السياق يرى المؤلف (ص 97 وما بعدها) ان غزو أفغانستان كان يمكن "تبريره تحت شعار الدفاع عن النفس" بمعنى أن حكومتها (طالبان) كانت تؤوي الجناة المسؤولين عن ارتكاب حادثة 11 سبتمبر على الأراضي الأميركية. لكن يوضح المؤلف ـ أن هذا ليس معناه أن أميركا لم يكن لديها أجندة امبريالية في أفغانستان أيضاً (مع كارثة 11 سبتمبر أو بدونها) ثم يواصل المؤلف تحليله في نفس المضمار قائلا: إلا أن عملية الغزو الثانية للعراق بدت غير مبررة من زاوية الدفاع عن النفس، ببساطة لأن ديكتاتور العراق السابق لم يكن قد قدم إطلاقا أي عون لتنظيم القاعدة، بل أنه ـ كما اتضح بعد ذلك ـ لم يكن ليشكل أي تهديد عسكري لأميركا بحال من الأحوال.. صحيح ان كان هناك أغلبية ـ اوضحتها استطلاعات الرأي ـ من جماهير الشعب الأميركي كانت تعتقد ان محاربة صدام حسين تعني ضربة للرد على مرتكبي أحداث 11 سبتمبر. إلا أن هذا كان امرا من الحماقة بمكان. وعلى الرغم من أن المسؤول الملوم عنه هو أجهزة الإعلام الأميركية بالدرجة الأولى.. إلا أن من حق المرء ان يتساءل عن دوافع الإدارة في واشنطن ونمط تفكيرها في هذا الصدد: فهل كانت مقتنعة حقا بحكاية أسلحة الدمار الشامل في العراق.. أو أن ذلك كان مجرد محاولة لانطلاق خطط "تغيير نظم الحكم" في الشرق الأوسط التي كانت مرسومة من قبل في دفاتر مشروع المحافظين الجدد بشأن القرن الأميركي الجديد قبل ذلك بسنوات؟ على أن المؤلف لا يلبث يجيب على السؤال في إطار من التحوط الجدير بأستاذ أكاديمي فيقول قد يكون من السابق لأوانه الإجابة على مثل هذا السؤال على أي وجه من اليقين. ثلاث دوافع لسلوك أميركا مع ذلك يعمد المؤلف الانجليزي إلى طرق الموضوع من زاوية مغايرة فيقول: مهما أتحنا لأميركا من تجاوزات، أو تعللنا لصالحها بأعذار أو مبررات، ما بين سوء الاستخبارات أو رغبة عمياء في الانتقام أو مجرد الخطأ في تقدير الأمور ـ يظل من الصعب (ص 100) النظر إلى حرب العراق على أنها مجرد رد فعل.. مجرد استجابة إزاء ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001. وفي واقع الأمر فالذين تظاهروا بتصديق حكاية الرد على سبتمبر كانوا عددا قليلا ومن هنا فنحن نرصد 3 دوافع كانت تحفز أميركا على غزو العراق في سلوك نستطيع أن نجد له سوابق من تصرفات الإمبراطورية البريطانية ذاتها. ويضيف المؤلف في هذا السياق بالذات قائلاً: أول مبررات غزو العراق رفع لافتة "استكمال المهمة الناقصة" أو العملية المبتورة ـ وكان الأمر يشير إلى ما بدأه الرئيس بوش الأب من التهيؤ لغزو العراق عام 1991 لإجبار صدام حسين على الجلاء عن الكويت. يومها لم يصل الأب إلى حد الإطاحة بحاكم العراق وكأنما ترك المهمة للابن لكي يستكملها إلى ختامها (دون توافر دليل يشهد بأن تلك كانت رغبة الأب على أي حال( وهنا أيضاً يسوق الكتاب نقطة من نقاط التماثل بين إمبراطوريتي أميركا وبريطانيا حيث يشير إلى ما عمدت إليه بريطانيا بتجهيز حملة فرضت بدورها لافتة استعادة السودان في عام 1898 وكانت بذلك تحاول التعويض عن إهمالها مصير مندوبها في السودان، الجنرال غوردون الذي عصفت به جيوش اتباع محمد احمد المهدي، الثائر السوداني المعروف. بين الديمقراطية والبترول من الجوامع المشتركة أيضاً التي يقف عندها المؤلف بقدر لا يخفى من التأمل عامل تلخصه كلمة واحدة: البترول يقول الكتاب (ص 100): يملك العراق كميات ضخمة من النفط، يقال إن أميركا بحاجة إلى هذا المورد، ومن ثم فنحن هنا إزاء عامل أو دافع امبريالي ـ إمبراطوري بكل المعاني، وعلينا أن لا ننسى الخلفية النفطية (السائدة في ولاية تكساس الأميركية) ويصدر عنها بوش ونائبه تشيني بكل ارتباطاتهما بصناعة واقتصاديات النفط ـ ولاسيما بضاعة تشيني الذي لوحظ أن شركة "هالبرتون" التي كان يترأسها كوفئت بمنحها عقوداً سخية في عراق ما بعد الغزو. هنا نطرح السؤال "البرئ" عن أوجه التماثل أو نوعية السوابق بين إمبراطورية لندن وسوبر ـ إمبراطورية واشنطن. وهنا أيضاً (ص 101) يأتي الجواب "البرئ" في غاية الايجاز في عبارة المؤلف: السوابق البريطانية في مجال النفط ليست بحاجة إلى بيان وخاصة من خلال سلوك بريطانيا في العراق بالذات في سنوات القرن العشرين. بعدها يتحول الكتاب إلى عامل التماثل الثالث الذي تلخصه كلمة "الليبرالية" بمعنى التحرير والتحول الديمقراطي وهو ما جهدت الإدارة الأميركية إلى صوغه والدعاية له، خاصة بعد أن فشلت حكاية أسلحة الدمار الشامل. وهنا أيضاً يلمح الكتاب هدفين رسمتهما دعاية واشنطن لتسويغ حرب العراق: الأول: لتحريره من ديكتاتور دموي الثاني: لإرساء دعائم الديمقراطية في المنطقة (الشرق الأوسط) وتلك أهداف تكاد تتقارب مع السوابق التاريخية التي شهدتها الإمبراطورية البريطانية الأقدم في دفاتر الزمن الماضي. ولكن باستخدام مصطلحات مغايرة من قبل تخليص - تحرير شعوب المستعمرات من حكام طغاة (خديويين أو رؤساء قبائل أو مهراجات اقطاعيين مستبدين.. الخ) ومن قبيل إرساء دعائم الحضارة وركائز المدنية (لم تكن الديمقراطية قد أصبحت بعد موضة العصر( من هنا يخلص المؤلف إلى تأكيد ثنائية الشعارات بين الإمبراطورية والسوبر ـ إمبراطورية: الأولى كان هدفها يلخصه الشعار المزدوج المركّب من: التجارة والحضارة. والثانية: (الأميركاني) ما برحت ترفع الشعار الأحدث ليخص الهدف الجوهري وهو: النفط والديمقراطية. الدعاية والعقيدة والسياسة الحاصل أن هذا الطرح المزدوج وجد من يتلقفه ويطوره ويزوّقه ويعمل جاهدا على ترويجه وتم ذلك على مستويات أساسية ثلاثة: * المستوى الدعائي: حين أمطروا العقل والوجدان الأميركي بانتقادات لمرحلة كلينتون بوصفها فاقدة للتركيز وللهدف وقصيرة النظر لدرجة أن رفعت شعارها مستضعفا اسمه التدخل الإنساني. * المستوى العقائدي: حين أضفوا الصبغة الايدولوجية على هدف الديمقراطية والنفط فأنشأوا مؤسسة مشروع القرن الأميركي الجديد وأسسوا لها موقعا متميزاً على شبكة الانترنت وركزوا على طروحات من قبيل: الفوضى المنظمة والإصغاء إلى صوت المحافظين الجدد وتغيير نظم الحكم.. وفرض التحول الديمقراطي. * المستوى السياسي: حين تلقفت هذا كله آلة الحزب الجمهوري التي تبنت الدعوة إلى أميركا الجديدة التي لا بد وأن تزيد ميزانيتها العسكرية، وأن تفرض شخصيتها بوصفها القوة الأعظم.. الوحيدة في العالم.. ولا تتورع عن استخدام القوة الحربية لإثبات هذه المكانة. الدعاية الأميركية وصفت هذا كله بأنه أمر ينطلق من النوايا الطيبة لإعادة صياغة العالم. مؤلف الكتاب يصف هذا كله ـ من وجهة نظره (ص 102) قائلا: هذه هي الامبريالية ـ انها الإمبراطورية بعينها. عرض ومناقشة: محمد الخولي

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار دراسات اقتصادية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في دراسات اقتصادية:
إعادة رسم خريطة إفريقيا بمقياس القبلية