بدأت المدونات العربية في الظهور بشكل تدريجي منذ سنة 2003، لكن عددها كان قليلاً آنذاك، ولم تكن كلمة "مدونة" شائعة باللغة العربية. ورغم قلة عدد المدونين آنذاك، إلا أن جودة المدونات كانت لافتة. وخلال السنة التالية بدأت ظاهرة التدوين في الانتشار وسط مستخدمي الإنترنت العرب، وبدأت الصحافة العربية تقارب، ولو بشكل محدود، موضوع المدونات. ثم ظهرت خدمات تدوين مجانية باللغة العربية، لتبسيط إنشاء المدونات للعرب، وبدا في الأفق أن ثورة جديدة قادمة؛ ثورة على غرار "ثورة المنتديات" التي فرخت في حينها آلاف المنتديات المتشابهة التي ينقل بعضها عن بعض، دون استحياء!
حين بدأت ظاهرة انتشار المدونات في العالم العربي انتشرت معها مقولة أن المدونات ستأتي بالديمقراطية إلى الدول العربية! لكني أعتقد بعد أكثر من ست سنوات من انطلاق المدونات العربية أن هذه المقولة لا أساس لها، فالديمقراطية هي التي تصنع المدونات وليست المدونات التي تصنع الديمقراطية.
"في رأيي أن المدونين العرب يمكنهم مستقبلا، المساهمة في بناء المجتمعات العربية، لكن الأمر لن يكون سهلا ولا يسيرا"
حين نتحدث دوما عن نجاحات المدونات الأمريكية، نتجاهل مسألة الديمقراطية المتجذرة لدى الشعب الأمريكي، وما يعنيه ذلك من حق المواطن في التعبير عن وجهات نظره بأمان، ووصوله الميسر القانوني، لمصادر الخبر. حكومات الدول العربية تعاملت بطرق مختلفة مع ثقافة التدوين، والهدف دائما تقويض التجربة: تونس ودول أخرى تعاملت مع المسألة من الناحية الرقابية فحجبت الكثير من المواقع وحدت من إمكانيات التأثير داخليا. السعودية منذ البداية تعاملت بحزم وقامت أجهزتها الأمنية باستدعاء المدونين وإرغامهم على ابتلاع ألسنتهم. مصر واجهت المدونين بعنف عن طريق الاعتقالات، مما ساهم في ترويج فكرة التدوين محليا. وإن كان من الصعب التأكيد إذا كان التضييق الذي تعرض له المدونون بفعل تدوينهم أم بفعل انتمائهم للجمعيات الحقوقية. أما المغرب فعلى العكس، تجاهل المدونات تماما عن عمد، مما حد من قدرة المدونات على الانتشار وعدم وصول قضاياها إلى الصحافة والمواطنين.
النتيجة هي أن البعض أصبح كمن يحارب طواحين الهواء، دون وجود من يتأثر به ولا من يستمع. والبعض اختار سياسة النعامة، فدفن رأسه في مواضيع بعيدة عن احتياجات المواطنين، فمنهم من انكفأ داخل نفسه يسطر ما يمر بيومه من تفاصيل، ومنهم من ذهب إلى الكتابة عن المواضيع التكنولوجية فطفق ينقل ويترجم عن المدونات الإنجليزية. ولكن هذا لا يعني تجاهل حالات متميزة وسط فضاء التدوين العربي. المستقبل الغامض التدوين نشاط فردي بطبيعته، غير أن خصوصيات المجتمعات العربية تستلزم تحول هذا النشاط الفردي إلى نشاط جماعي يعتمد على التنسيق المبكر والمضبوط فيما يتعلق بقضايا ذات طبيعة اجتماعية وسياسية تهدف إلى تحقيق تغييرات مجتمعية لصالح المواطن.
في رأيي أن المدونين العرب يمكنهم مستقبلا، المساهمة في بناء المجتمعات العربية، لكن الأمر لن يكون سهلا ولا يسيرا. فأنا أعتقد أن ثمة شروط لا بد أن تتحقق، من قبيل دمقرطة المؤسسات وتيسير الوصول لمصادر الخبر وإصلاح القضاء والرفع من هامش حرية التعبير وتوسيع شبكة الربط بالإنترنت... إلخ، وإلا فإن التدوين العربي سيبقى في حال ركود دائمة.