كارن أبوالخير
قد يغيب عن الكثيرين، في خضم متابعة تفاصيل المباحثات التي جرت في مؤتمر كوبنهاجن حول التزام الدول بإجراءات للحد من الانبعاثات الحرارية، الصورة الأشمل والأعمق لقضية البيئة في هذا القرن الجديد.
فكما يشير العالم إدوارد ويلسون، فإذا نظرنا إلي كل الأزمات التي يعانيها الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي، فسوف نجد أنها في الأصل متصلة بالبيئة، ولا يقتصر ذلك علي مشكلة تغير المناخ والتلوث، ولكن أيضا مشاكل نقص المياه، وتناقص الأراضي الصالحة للزراعة، وخطر انتشار الأوبئة، والفقر المزمن في بقاع معينة في العالم، والخلل الخطير في توزيع الموارد داخل الدول، وفيما بين الدول وبعضها. وفي العادة، ينظر المسئولون إلي هذه القضايا، كل علي حدة. ولكن في الواقع، فإن الفرصة ضئيلة للتوصل إلي حلول إلي أي منها، حتي نصل إلي فهم حقيقي للعلاقة السببية التي تجمع بينها(1).
لقد استغلت البشرية، عبر تاريخها الاقتصادي، كل طريقة ممكنة لاستغلال موارد الأرض وتحويلها إلي ثروات. وكانت النتيجة المترتبة علي ذلك هي زيادة مطردة في النمو السكاني، وانتشارا مستمرا في الحيز الجغرافي الخاضع للاستغلال البشري، حتي أصبح كل شبر صالح للحياة علي سطح الأرض مستغلا إلي أقصي درجة يسمح بها التطور التكنولوجي الحالي. وبحلول عام 2000، فقد وصل تعداد البشرية إلي حجم قريب إلي حد الخطر من حدود موارد الأرض المتاحة.
وقد أصبح واضحا أن العالم لا يستطيع مواصلة ممارساته الاقتصادية والبيئية الحالية بدون إلحاق الدمار الشامل بهذا الكوكب. ولهذا السبب، فقد ارتفعت أصوات متعددة، قبل وأثناء تداعيات مؤتمر كوبنهاجن، لتذكر المجتمع الدولي بالحاجة إلي مقاربات جديدة للتعامل مع قضايا الاقتصاد والبيئة.
ففي مقال نشر في مجلة 'نيوزويك'(2)، وجه ولي عهد بريطانيا رسالة إلي العالم، مناديا فيها بضرورة بناء 'علاقة جديدة مع الطبيعة'، حيث إن السبب الأساسي وراء التحدي المناخي - في نظره - ليس عدم وجود سياسات أو تكنولوجيا مناسبة للتعامل مع المشكلة، ولكن الأمر يتعلق بغياب 'الرؤية الصحيحة'، التي تدرك أن الاقتصاد هو مجرد فرع من فروع الطبيعة. فالطبيعة هي الأساس وليس الاقتصاد، وهي رأس المال الذي قام عليه التطور الاقتصادي. إن النظر إلي الاقتصاد بشكل منفصل عن الطبيعة قد أدي إلي حالة من عدم التوازن، وعدم انسجام البشرية مع إمكانات الأرض والطبيعة ودوراتها.
كما عبر الكاتب البريطاني جورج مونبيات عن المضمون نفسه، حيث قال إن المشكلة أكبر من قضية تغير المناخ، 'إننا في معركة لإعادة تعريف الإنسانية'، فعلي البشرية أن تقرر ما إذا كانت ستستمر في ممارسة حياتها بالشكل المعتاد، مما سيؤدي إلي خراب العالم الذي نعيش فيه، أم ستتوقف عن هذه الممارسات وتبحث عن أسلوب جديد.(3) لم يعد الصراع في العالم بين المحافظين والراديكاليين، بل أصبح الصراع الحقيقي بين هؤلاء الذين يتبنون الممارسات البيئية 'التوسعية'، وأولئك الذين يسعون لوضع 'قيود' علي هذه الممارسات. ويري الكاتب أن المشكلة الأساسية في مواجهة قضية تغير المناخ هي في وجود تيار قوي يضم هؤلاء الذين يرفضون وضع أي قيود عليهم وعلي سعيهم المستمر لإرضاء رغباتهم، سواء اتخذت هذه القيود شكل ضرائب جديدة، أو قواعد بيئية أو غيرها. ولا يعتقد الكاتب أنه يوجد بين صفوف المسئولين الرسميين من يتصور حجم التغيرات التي يجب أن تتم، لكي تعيش الشعوب في إطار إمكانياتها، وعينها علي المستقبل.
ويشير الباحثون إلي التغييرات العميقة والممتدة التي سوف يكون علي المجتمعات اتخاذها لتحقيق تقدم حقيقي في مجال خفض الانبعاثات الحرارية. فالتحول إلي الطاقة النظيفة أو الخضراء سوف يكون محورا جوهريا لهذه الجهود. ولكن بالنظر إلي أن 80% من الطاقة المستخدمة في العالم، في الوقت الحالي، مستمدة من الموارد الأحفورية، فإن ذلك سوف يتطلب جهودا كبيرة وإجراءات واسعة علي المستويات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية. وسيتطلب ذلك تغييرات علي مستوي الممارسات الفردية والمجتمعية، في إطار ثقافات صناعية تطورت ونمت، اعتمادا علي الاستهلاك المتزايد للطاقات الأحفورية، مما سيشكل صعوبة كبيرة.
وتحسبا لمواجهة المعارضة التي سوف تواجهها الحكومات في فرض الأطر القانونية والقيود اللازمة للتحول إلي اقتصادات 'منخفضة الانبعاثات الكربونية'، فقد تبنت الكثير منها مقاربة تقوم علي أن هذا التحول فيه مصالح اقتصادية عاجلة. وقد عبر جوردن براون، رئيس وزراء بريطانيا، عن هذا التوجه قائلا 'إن التغير المناخي يمثل تحديا غير مسبوق للبشرية، ولكن هناك حلا في متناول يدنا، وهو حل سوف تكون له فوائد اقتصادية ضخمة في الحاضر، وسوف يحمي أيضا مستقبل أولادنا وأحفادنا'(4). فالخطر من تغير المناخ - كما يري براون - ليس فقط إنسانيا وبيئيا، ولكنه أيضا اقتصادي. وهو يشير إلي تقرير اللورد ستيرن، الذي صدر في 2006، والذي ورد فيه أن استمرار معدل ارتفاع حرارة الأرض كما هو سوف يتسبب في خسائر تقدر ما بين 5% و 20% من إجمالي الناتج القومي العالمي، وهي خسائر أكبر من التي تسببت فيها الحربان العالميتان الأولي والثانية، بالإضافة إلي تلك التي ترتبت علي مرحلة الكساد الاقتصادي الكبير في القرن العشرين. كما جمع جوردن براون بين مواجهة تغير المناخ والخروج من الركود الذي تسببت فيه الأزمة المالية العالمية الأخيرة، حيث أكد أن التحول إلي الاقتصاد المنخفض الانبعاثات الكربونية سوف يكون أحد أهم محاور النمو الاقتصادي علي المستوي القومي والعالمي خلال العقد القادم، وأن الاقتصادات التي ستتبني 'الثورة الخضراء' سوف تحظي بالنصيب الأوفر من هذه العوائد الاقتصادية.
وقد اعتمدت وزيرة البيئة والطاقة الدنماركية، كوني هيديجارد، أسلوبا مماثلا لتحفيز الولايات المتحدة علي اتخاذ إجراءات جادة لتقليل الانبعاثات الحرارية، حيث وصفت الاتفاق الدولي علي هذه الإجراءات بأنه ضروري ليس فقط لصالح المناخ، ولكنه ضروري أيضا لتحقيق أمن الطاقة، حيث إن الاعتماد علي النفط والغاز المستورد ليس في صالح الولايات المتحدة ولا أوروبا. والحل الأمثل للتخلص من هذا الاعتماد هو التحول إلي أنواع بديلة من الطاقة. فالقضية ليست فقط في خفض الانبعاثات الكربونية لصالح الأجيال القادمة، بل هي أيضا قضية تتعلق بإمكانية احتلال موقع 'القيادة الاستراتيجية' في العالم(5). فالدولة التي تؤهل نفسها للمنافسة والازدهار، في إطار نمو اقتصادي يحقق خفض الانبعاثات الكربونية، ستكون أقدر علي تولي هذا الموقع. ولم يفت الوزيرة الدنماركية أن تستغل جو التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والتوجس الأمريكي من التفوق الصيني، بالإشارة إلي الخطوات الكبيرة التي قطعتها الصين في مجال الطاقة البديلة، حيث أصبحت في عام 2008 الم ص در العالمي الرئيسي لتكنولوجيا الطاقة.
والواقع أن هذه المقاربات، التي تعتمد علي شحذ مبدأ المصلحة الذاتية لدي الشعوب والحكومات للتحول إلي الاقتصاد الأخضر، ليست جديدة، فقد كانت الرسالة الأساسية التي تضمنها كتاب توماس فريدمان الشهير
'Hot، Flat and Crowded' (6) . وفي هذا الكتاب، يجمع فريدمان بين ما يراه أزمة المجتمع الأمريكي الذي 'فقد طريقه'، وفقد الريادة والاحترام علي المستوي العالمي، وبين الأزمة العالمية المتمثلة في تغير المناخ، التي أبرزت الحاجة إلي التحول إلي طاقة نظيفة واقتصاد أخضر. يري فريدمان أن أفضل وسيلة لأن تستعيد الولايات المتحدة مكانتها هي أن تقود العالم في المساعي لحل مشكلته المحورية، وهي خلق الأدوات والنظم وموارد الطاقة، التي ستتيح تحقيق النمو الاقتصادي بطرق أكثر نظافة واستدامة. وبينما يمثل السعي لحل هذه المشكلة التحدي الأساسي لهذا الجيل، فإنه، من وجهة نظر فريدمان، يمثل أيضا فرصة ذهبية للولايات المتحدة لتحقيق النهضة في الداخل، وإعادة توثيق علاقاتها مع الخارج. فالمجتمع الأمريكي يكون في أفضل حالاته، عندما يجمع ما بين التطوير والفائدة الاقتصادية. والنجاح في هذه المهمة سوف ي ظهر ما إذا كانت الولايات المتحدة لديها القدرة والإرادة لقيادة العالم أم لا.
وقد بدأت هذه الأفكار تأخذ مكانها في مختلف مؤسسات المجتمع الأمريكي. فقد بدأت الجامعات الأمريكية، بجميع مستوياتها وفروعها، توسيع مناهجها لتتضمن دراسات تتعلق بالأبعاد التقنية والعملية والقانونية والإدارية لعملية التحول إلي 'الاقتصاد الأخضر'. كما ظهرت الدراسات التي توضح للقطاع الاقتصادي (الخاص) أن تطبيقات النمو 'المستدام' ليست عبئا اقتصاديا وإداريا، وهو المنطق الذي ساد إلي وقت قريب في هذه الأوساط، بل إنها تحفيز حقيقي علي الابتكار.
وتشير إحدي أبرز هذه الدراسات إلي أن التحول إلي ممارسات 'صديقة للبيئة' يصب في المصلحة الاقتصادية للشركات، حيث إنه يسهم في تخفيض التكاليف عن طريق استخدام مدخلات أقل في الصناعة، كما أنه يتيح موارد جديدة للربح عن طريق خلق صناعات ومجالات جديدة للنشاط الاقتصادي(7).
من ناحية أخري، فقد قدم الاقتصادي المرموق، جيفري ساكس، في كتابه Common Wealth(8)، رؤية أشمل للقضايا البيئية، تأخذ في الاعتبار مشاكل ومصالح المناطق الأكثر فقرا علي الكرة الأرضية، حيث يطرح قضية التنمية المستدامة، وما يتعلق بها من حماية البيئة، ووقف النمو السكاني العالمي، وتقليل الفارق بين الأغنياء والفقراء، والقضاء علي مشكلة الفقر المدقع، بوصفها التحدي الرئيسي الذي يواجهه العالم. ويؤكد ساكس أن العالم عليه أن يتعامل مع حقيقة أن الإنسانية 'تواجه مصيرا مشتركا علي كوكب مزدحم'، وأن التعامل مع مشاكلها يحتاج إلي أنواع جديدة من التعاون العالمي.
'إن مجتمعنا العالمي سوف يزدهر أو ينتهي في القرن الحادي والعشرين، وفقا لمقدرتنا علي التوصل إلي أرضية مشتركة بين جميع الدول حول مجموعة محددة من الأهداف والوسائل العملية لتحقيقها. تتمثل هذه التحديات في ندرة موارد الطاقة، والضغوط البيئية المتزايدة، والزيادة السكانية العالمية، ومعدلات الهجرة العالية، القانوني منها وغير القانوني، والتغير في ميزان القوة الاقتصادية، والفروق الهائلة في الدخل. وكل هذه المشاكل أعقد وأهم من أن تترك 'لقوي السوق'، أو لعلاقات المنافسة الجيوسياسية بين الدول'.
ويري ساكس أن لكل هذه المشاكل حلولا عملية ومتاحة ومنخفضة التكاليف، ولكن المشكلة تكمن في حشد التعاون الدولي وراء التطبيق العملي لهذه الحلول. كما يركز علي أنه لا يمكن أن ت ترك بقاع مختلفة من العالم فريسة للفقر المدقع، أو أن تستخدم للتخلص من النفايات السامة، دون أن يضع ذلك العالم كله في خطر. وفي رأيه، فإن الممارسات البيئية والديموجرافية والاقتصادية للعالم اليوم سوف تؤدي - في حال استمرارها - إلي أزمات اجتماعية وبيئية سوف تكون لها عواقب كارثية