مقالات وتقارير: أكثر من نكسة وأقل من نكبة

 
 


كلوفيس مقصود
 كان انتخاب سكوت براون المرشح الجمهوري من ولاية ماساتشوستس أكثر بكثير من مجرد نكسة وأقل بقليل من نكبة سياسية للرئيس باراك أوباما: هذه الولاية لم تنتخب جمهورياً منذ أكثر من نصف قرن . هذه الولاية التي اعطت الرئيس أوباما فوزاً على خصمه بأكثر من 25% والتي وحدها انتخبت جورج ماكفرن عام 1972 في حين ربح نكسون 49 ولاية آنذاك . كان الاعتقاد سائداً أن المرشحة الديمقراطية تصرفت على أن نجاحها مضمون في ما فاجأ براون الطاقم السياسي العام بجعل النتيجة تؤكد أن معضلة شديدة سوف تواجهه، وقد تعطل قدرة أوباما على تسريع أولويات برامجه خاصة في ما يتعلق بتشريع قانون الضمان الصحي لجميع المواطنين خاصة أن ثلث الأمريكيين على الأقل لا ضمان لديهم في هذا المجال الحيوي، فالهزيمة التي مني بها الحزب الديمقراطي تأتي في اعقاب انتصار الجمهوريين لمنصب الحاكم في كل من نيوجرسي وفرجينيا، حيث اكتسحهما أوباما في المعركة الرئاسية بمشاركة كثيفة للمستقلين الذين اقترع معظمهم ضد مرشحي الحزب الديمقراطي .



وبرغم البلبلة التي خلقت مأزقاً للأكثرية الديمقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب، فإن هذه الخسارة تفقد مجلس الشيوخ القدرة على تجاوز محاولات الأقلية في تعطيل التصديق على قوانين قد يطرحها البيت الأبيض . وبالرغم من أن 60 عضواً أي مثل هذه الأكثرية بإمكانها تمرير القوانين مع بعض التعديلات إلا أن عدد الستين الذي يدعيه الحزب ليس دقيقاً والسبب كون السناتور الصهيوني ليبرمان الذي ساهم في حملة ماكين غير مضمون أن يقترع دائماً إلى جانب الأكثرية . لذلك فإن السناتور الجمهوري الرابح من شأنه أن يكون شريك ليبرمان في عملية التعطيل .هذا الاستدراك لا يقلل من اهمية الصدمة للرئيس أوباما الذي اعترف بأن الغضب الذي كان سائداً عام 2008 والذي ساهم بالمجيء به إلى الرئاسة، هو الان العامل نفسه الذي جاء بالانتصارات للجمهوريين عام 2009 .قد يتساءل القارئ العربي لماذا نكرس اعتبارات السياسة الداخلية على سلوك ومشاكل إدارة أوباما؟ قد يكون السؤال منطقياً ولكن اجمالاً وبالأخص في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن من يرسم سياسات واستراتيجيات الدولة هو أولاً الرئيس، لكن داخل النظام هنالك السلطات التشريعية والقضائية . فالرئاسة وإن كانت المؤسسة الأولى بين متساويين، إلا أن تفوق قدرتها النسبية في رسم السياسات لا يعني أن الرئيس مطلق الصلاحيات بل يبقى عرضة للمساءلة واحتمال نقض أو اعتراض من السلطة التشريعية كونها بدورها سلطة منتخبة وبالتالي حريصة على دورها المميز . بمعنى آخر أي تحليل للنظام القائم يجب أن يأخذ بعين الاعتبار إمكانية أن السياسة المعلنة لرئيس الدولة، على الصعيد الداخلي أو الخارجي، معرضة لتعديلات او حتى للنقض، أو لإضافة بنود أو إزالة بنود أخرى .في ظل الظروف القائمة، نجد أن الرئيس أوباما يضطر إلى مراجعة نقدية لأداء إدارته وبالتالي فإن الارباك الذي ميز ردود فعل انصاره وحلفائه ينطوي بالضرورة على حاجة ماسة للنفاذ إلى جذور التحول من روعة الالهام التي ميزت خطابه الانتخابي والذي استقطب منذ عام أكثر من ثلاثة ملايين مشارك في حفل تنصيبه كاول رئيس إفريقي أمريكي . هذا التحول الذي بدأ بشعار "تغيير نستطيع أن نؤمن به" إلى حالة القلق السائدة نتيجة ما حصل أو لم يحصل في العام الأول من عهده .هنا لا مفر من ذكر ما ورثه أوباما من تركة إدارتي بوش السابقتين والتي استولدت معوقات انطوت على تفاقم الأزمات المالية والاقتصادية والتي تداخلت بشكل قاس مع أهداف التغيير التي انطوت عليها برامجه الاصلاحية، وقدرته على سرعة تصحيح الشطط الفاقع في ممارسات الإدارة بحيث حال دون طرح أولوياته وتنفيذها . فكان التحدي في بدء إدارته وقف التدهور للحيلولة دون المزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية وامعانها في تدهور الأسواق المالية أمريكياً وعالمياً وتردد أوباما في محاسبة الإدارة السابقة على فلتان النظام الرأسمالي وتخفيضها الضرائب بشكل فاقع على الواحد في المائة من الأثرياء الذي أدى إلى استشراء الفساد في ممارسات الشركات الكبرى كـ”امرون" و"بلاك واتر" ومن ثم شراسة التعامل مع الطبقات المتوسطة وغيرها، نتيجة فقدان الضوابط المنظمة للمصارف الكبرى ومؤسسات التوظيف المالي . هذا يفسر أنه فور استلامه الحكم، توجه أوباما بشكل قاطع باتجاه وقف المزيد من التدهور والحيلولة دون تنامي العطب في النظام الاقتصادي والمالي ما ابطأ مباشرته تنفيذ التزاماته ودفع الكثير من رصيده السياسي والشعبي . إضافة إلى ذلك كانت مهمته الأولى تكنيس المعوقات والموبئات الموروثة بدلاً من تنفيذ فوري لما وعد به الشعب الأمريكي بأن عهده سوف يكون فوق الانقسامات الحزبية . وهذا ما يفسر استعانته بعدد من قيادات الحزب الجمهوري وتسليمهم مهمات رئيسية في وزارات الدفاع والنقل والمالية والسفارة الأمريكية في الصين وغيرها . تعامل قادة الحزب الجمهوري في الكونجرس مع هذا الانفتاح كأنه محاولة لوحدانية سلطة الرئيس وشق المعارضة، فرفضوا التعاون وجعلوا منه مرمى لرجعيتهم والبعض لعنصريتهم . اضافة إلى تهجمات اليمين الشرس المتمثل بانتقادات لاذعة وغير صحيحة قام بها نائب الرئيس السابق ديك تشيني إضافة إلى ظاهرة "حفلات الشاي" التي استنفرت الغرائز البدائية ما عزز تسميم الأجواء وحال دون حوارات عقلانية . والغريب أن الجمهوريين انفسهم حاولوا استغلال الأزمة التي أوجدوها بانفسهم وبسياستهم المتهورة . كل هذه الاجواء المرضية التي ميزت الخطاب السياسي السائد، جعلت من تعميم انصاف الحقائق تشويهات مقصودة لدوافع السياسات الاصلاحية ما شكل التمهيد للتراجع النسبي الذي نشاهده اليوم والذي برهن الرئيس أوباما أنه باق على اسقاط خيار الانفعال والتعامل بالمثل وكأنه يريد استيعاب الصدمة والاستمرار بإدارة الأزمات المتكاثرة بهدوئه المعهود ما أثار حفيظة يسار حزبه كما يمين معارضيه .وسط هذه الأجواء واثناءها، تمكن الرئيس أوباما من ايقاف التدهور في الأسواق المالية وانقاذ المؤسسات الاقتصادية وتمكينها من خلال الضخ التمويلي في بداية ولايته ما فسر استرجاع ما استدانه إلى الحكومة . إلا أن نقد السلوك العام كان يعتبر أن على أوباما أن يركز على أولوية مقاومة البطالة التي لا تزال حتى الآن في حدود عشرة في المائة . ويستمر الانتقاد بأن أوباما ركز على أولوية تأمين الضمان الصحي اسوة بالدول المتقدمة والتي برغم سلامة وإنسانية دوافع جعلها اولوية والحاجة الملحة إلى تشريعها، إلا أن تزامنها مع أولوية أكثر الحاحاً، أي البطالة اعطى الانطباع بأن الدولة وشيكة على احتكار السلطة وبالتالي تشكل تهديداً للحريات ما ساهم الإعلام اليميني في نشره وتعميمه .تسود قناعة أن العديد من المصاعب التي واجهها الرئيس أوباما في العام الأول من إدارته والتي شكلت صرفاً لرصيده الشعبي هو غياب  أو بالاحرى تغييب  مؤسسة الحكم أي قيادة الحزب الديمقراطي الموكول اليها توجيه وتعبئة الناخبين وجعلهم بمنأى عن الغارات العقائدية اليمينية التي تهدف إلى إفقاد وتشويه حقائق وافتعال أزمات واللجوء إلى تزوير كما حصل في تصوير قوانين الضمان الصحي المقترحة أو إجراء محاكمات مدنية للمتهمين بالارهاب . كل ذلك اعطى الانطباع بأن تهديداً لأمن المواطن الأمريكي أصبح داهماً وأن اغلاق معتقل غوانتانامو وقرار الرئيس أوباما منع التعذيب، اعتبرها اليمين الأمريكي تهديداً للأمن القومي في وقت لا تزال التهديدات قائمة كما يحاول نشر الخوف الذي يمارسه تشيني . إن جميع هذه المبادرات التي قام بها أوباما لم يرافقها تنظيم التعبئة لمناصريه وناخبيه ولا تعميم الوعي عند أنصاره لسلامة واستقامة ومناقبية الاجراءات التي قام بها الحزب الديمقراطي ما جعل المحافظين يستسهلون نشر ثقافة التخويف والتعميم مثل أن الاصلاح الاقتصادي هو "دعوة للاشتراكية" كما أن التخلي عن أدوات التعذيب هو دليل ارتخاء في حماية أمن المواطن والأمن القومي . إن استبعاد شرائح من مؤيديه  من اليسار والوسط  أوجد حواجز بين البيت الأبيض وبين من كان باستطاعتهم مجابهة التشويهات التي تعمد نشرها ناشطو اليمين من دون رد مماثل يردع تماديهم في الطعن والابتزاز والافتراء . من نتائج استمرار العلاقة الدافئة بين البيت الأبيض والشرائح التي أبحرت مع أوباما في حملته الانتخابية الرائعة، لم يتم التواصل معها بالدرجة المطلوبة . أعتقد أن إعادة النظر في استرجاع علاقات حوارية مع هذه الشرائح التقدمية سوف تضع حداً للافتراءات التي تلحق الأذى باستقامة المسيرة التي رسم أوباما أهدافها . لذلك لم تتح له الفرصة الكافية لاستعادة حميمية الشراكة التي احتضنته بحماس غير مسبوق .يستتبع أن الناخبين المستقلين لم يعودوا مثلما كانوا أثناء حملته الرئاسية في علاقات إيجابية وأن خروج معظمهم من التحالف معه كان بمثابة مؤشر على احتجاج هذه الشريحة المهمة على نمط تعامل البيت الأبيض مع الكونجرس كما ساد الانطباع أن تركيزه على أولوية التشريع للضمان الصحي كان على حساب إهمال تحدي البطالة المتزايدة . هذا لا يعني أن المستقلين لن يعودوا إلى نصرته عندما يباشر أوباما مرحلة تنفيذ استراتيجية أكثر تماسكاً من التي مارسها في العام الأول من ولايته . ولعل الشعار الذي طرحه أثناء حملته الانتخابية "نعم نستطيع" سوف يتحول بالضرورة إلى "نعمل كل ما باستطاعتنا القيام به" وبالتالي فإنني مقتنع أنه سوف يقوم بما يمكنه القيام به .صحيح أن التركيز على نتائج الانتخابات الفرعية في ولاية ماسا تشوستس كان ضرورياً كون معالجة أوباما للتعقيدات القائمة على أثر الأزمات المالية والاسكانية والصحية استحوذت على جهوده ما أنهكه نتيجة ترجيح أولوياته الداخلية والأمنية وترك الكثير من القضايا الدولية للمؤسسات المعنية بشؤون العلاقات الخارجية والأمنية . من نتائج هذا التركيز أن التغييرات التي وعد بها دولياً ادت إلى نيله جائزة نوبل للسلام التي جاءت تعبيراً عما يتوقع العالم منه أكثر من إنجازاته تجاه السلام .
صحيح أن أوباما باشر بسحب القوات الأمريكية من العراق وكأنه يصدر حكماً تاريخياً على عدم شرعية الغزو وإن كان مضطراً أن يجعل الانسحاب يتم بشكل "مسؤول" إلا أنه وجد أن الحرب الأمريكية في أفغانستان هي حرب وفرت لها الأمم المتحدة الشرعية إثر أحداث "11/9" في نيويورك وواشنطن . وبالمقابل كان سلفه وحلفاؤه المحافظون الجدد قد ركزوا المجهود العسكري في نشر أكثر من 165 ألف جندي أمريكي في العراق في غزو غير مشروع في حين اهملوا ما شرعته الأمم المتحدة من خلال إجماع أعضاء كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن بأن الحملة الأمريكية تندرج تحت عنوان الدفاع عن النفس في أفغانستان . الآن وقد أرهقت الحرب الملايين من الناخبين الأمريكيين، لم يعد من تمييز لديهم بين الحرب غير المشروعة وحرب الحاجة المنسجمة مع القانون الدولي في أفغانستان ما أدى إلى انطباع أن أوباما "رئيس حرب" ما جعل جائزة نوبل للسلام مفارقة له وان انطوت على غبن بالتوصيف المذكور . . صحيح أن الرئيس أوباما يؤكد أن إدارته مستعدة وراغبة وبالتالي أن تكون مرتاحة في عالم متعدد القطبية وأكد ان احترام الشرعية الدولية والتزام سياسة التنمية المستدامة في عالم الجنوب، بالإضافة إلى معالجة المشاكل الناشئة عن التغييرات المناخية والاضرار المحتملة على البيئة كاولويات برامج سياساته الدولية . وفي ما يتعلق بالازمات المزمنة والتي بقيت عصية على الحل كالنزاع "الإسرائيلي"  الفلسطيني بادر بتعيين السناتور جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له في المنطقة . في هذا الشأن  كما في غيره على المستوى الدولي  لم تتح له الفرصة أن يحقق أياً من الإنجازات التي تلبي طموحاته . يرجع السبب في ذلك إلى أن الرؤية التي بلورها في خطابه للعالم الإسلامي في جامعة القاهرة وقبلها في البرلمان التركي، كانت أكثر ما تتحمله الأجهزة المتوفرة مثل وزارة الخارجية التي غلبت في تعاملها مع قضايا "الشرق الأوسط" الاجترار على التجديد، التردد على مقتضيات وشروط الاختراق . لذا اصطدمت توقعات العرب والعالم الإسلامي عامة بواقع آليات تنفيذ عاجزة عن تفعيل رؤى الرئيس أوباما وبالتالي عاجزة عن ايصالها وترجمتها عملياً ما يفسر ويلقي الأضواء الكاشفة على استمرار الازدواجية بين ما يعلن وما يحصل .تباينت الاسباب للعجز الناتج عن الازدواجية . منها ما يعود إلى انطباع تام أن أوباما اوضح كمفكر وممارس؛ وبعض التفسيرات تعول تردده إلى مزاج يؤكد على تجنب المجابهات في العديد من الأزمات . يبدو أن دراسته للبدائل المطروحة أمامه تفسر بطء مسيرة عملية اتخاذ القرار، وهذا التردد الذي يميز مقاربته لعديد من القضايا العالقة منذ زمن بعيد، يتسم باللاحسم ما أعطى الانطباع أنه كثيراً ما يكون سجين اللاحسم .في هذا المجال وبعد مجهود دراسي للصراع العربي  "الإسرائيلي" ومن بعده الفلسطيني نجد أن مضمون خطابه في القاهرة دل بشكل واضح على تفهم لمعاناة الشعب الفلسطيني، كما أن إيجاد الحل على أساس قيام دولتين ("إسرائيل" وفلسطين) بدا وكأنه بؤرة ونقطة ارتكاز لمعالجته للقضية الفلسطينية العالقة .

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار مقالات وتقارير
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في مقالات وتقارير:
أزمة لبنان والرهانات الكبرى في الشرق الأوسط