أمير الحلو
لم يبق على قيد الحياة من اللجنة العليا للضباط الاحرار التي تشكلت في العهد الملكي للقيام بالثورة غير السيد ناجي طالب(أطال الله عمره)وهو على الرغم من مرضه يتمتع بذاكرة متقدة ويتحدث بادق التفاصيل،والرائع في هذا الرجل انه لم يطعن باحد ولم يطعن به احد فبقي محتفظاً بكرامته ومكانته لدى جميع (مكونات الشعب العراقي) في الماضي والحاضر.كما بقي السيد عبد الكريم فرحان عضو اللجنة العليا وهو يعيش خارج العراق بحفظ الله.
من خلال قراءاتي عن ثورة 14تموز 1958 كانت هناك لجنة وسطية تلي اللجنة العليا تضم مجموعة من الضباط الاحرار يحملون رتبا تتراوح بين مقدم ورائد واغلبهم شاركوا بشكل فاعل في الثورة وتبوأوا مناصب عليا في الجيش والدولة بمرور الزمن وحصولهم على رتب أعلى مكنتهم من ذلك بحق .
وقد وجدت ان جميع اعضاء هذه المجموعة قد توفوا أيضا لاسباب مختلفة وبقي منهم السيد صبحي عبد الحميد الذي أصبح وزيرا للخارجية وكذلك الداخلية،حتى ابعده عبد السلام عارف،ولكنه استمر يمارس العمل السياسي وأضطر الى اللجوء الى القاهرة في بداية السبعينات وهناك حدثت محاولة لاغتياله مع مجموعة من الضباط القوميين،وعندما عاد الى العراق ولمعرفته بالاوضاع وملابساتها فقد اقتصرت مقابلاته على عدد محدود من أصدقائه،وعلى الرغم من فارق العمر و(المرتبة)إلا انني كنت حريصا على زيارته في داره باستمرار ولا حديث لنا بالطبع غير السياسة،وكنت(أحرضه)باستمرار على كتابة مذكراته وكذلك ساعدت أحد الزملاء في اعداد اطروحة ماجستير عنه...وقد أصيب خلال السنوات الماضية بامراض عديدة دفعته الى التقليل من(مجلسه)المزدحم بالشخصيات السياسية والعسكرية،وقد شكا لي يوما بانه يضطر ان يبقى طيلة الصباح والعصر بكامل قيافته لاستقبال زواره وهو في أشد حالات المرض والالم،ولكن حالته لم تفقده عنصري المتابعة المستمرة للاحداث،وخزين الذاكرة لكل ما مر بالبلاد من احداث .
وبعد سنوات من التدوين صدرت مذكرات صبحي عبد الحميد قبل شهر وهي غنية بالمعلومات عن الاحداث السياسية خلال العقود الماضية،ولم أجده متحاملا على أحد على الرغم مما تعرض له في بعض الفترات من توقيف ومراقبة وغيرها. ومع معاناته مع المرض ودخوله المستشفيات في الخارج والداخل إلا انه توج حياته الحافلة بمذكراته الثمينة .
والذي يؤلم حقا ان يغادر صبحي عبد الحميد الحياة بعد صدور مذكراته مباشرة فقد انتقل الى رحمة الله يوم 25/ 1/ 2010 بعد حياة حافلة عسكريا ومدنيا. ليس من عادتي ان اكتب نعيا لاحد،ولكني وجدت في رحيل (ابي رافد)وقفة مع التاريخ لاقارن بين اناس جاؤوا وذهبوا،ولم يقدموا أو يؤخروا في مجريات الحياة الخاصة والعامة،وبين شخصيات كان لها دورها في حياة بلدانهم،واستمروا على ايمانهم بمعتقداتهم رغم ما تعرضوا له من مصاعب بسبب ذلك .
ان اتفقت مع الرجل أو اختلفت معه فهو آخر العمالقة في ثورة 14 تموز ممن نودعهم ونترك للتاريخ الحكم على مسيرتهم.
قد اتفق مع الرجل فكريا ولكني أدين له شخصيا عندما ارسل مجموعة من المدرعات يوم 18 تشرين الثاني 1963 ليخرجنا من سجن رقم 1 خوفا من تعرضنا للاخطار خلال الانقلاب الذي حصل ذلك اليوم وعندما قابلناه وجدته يدير كل صفحات ذلك اليوم الحافل بالاحداث وكان رابط الجأش،وعلى الرغم من مسؤوليته كمدير للحركات العسكرية يومذاك إلا انه حرص على مقابلة اصدقائه ومعارفه بعد ان اطلق سراحهم وكانوا معرضين للموت في السجن.