في محاضرة القاها الدكتور قيس جواد العزاوي في مجلس السلم والتضامن يوم السبت الماضي الموافق الثلاثين من كانون الثاني حول " مساحة الحريات في وسائل الاعلام العربية" تطرق العزاوي لدراسة اوضاع الاعلام في ست دول عربية مختارة من المشرق العربي : العراق سوريا، البحرين، ومن المغرب العربي : تونس ليبيا ، المغرب . ولم يبحث في اوضاع وسائل الاعلام في بلدان عربية عرف عنها اما الاقدمية والمهنية والريادة مثل مصر ولبنان أو الانتشار والتوسع والتأثير مثل السعودية، لان هذه الدول قد حظيت بتغطية بحثية واعلامية كبيرة جداً وعلى مدى سنوات . اشار العزاوي بداية الى ان البلدان العربية شهدت قفزة نوعية في مجال الاعلام الاجتماعي حتى وصل عدد المستخدمين للفايس بوك مثلاً في خمس دول عربية (مصر، السعودية، الاردن، الامارات ، لبنان) الى 1698960 مستخدماً عام 2008..
كما ان الاعلام المسموع قد تضاعف بنحو كبير ورافقه في التأثير والاتساع الاعلام المرئي حيث احصت "اربيان بيزنيز" عدد القنوات الفضائية العربية بـ 474 قناة، اكثر من 72 بالمئة منها يملكها القطاع الخاص و 18.5% من اجمالي عدد القنوات مقره السعودية . في عام 2008 لوحده انطلقت في العالم العربي 103 قنوات فضائية 20 بالمئة منها قنوات دينية ، وان سوق النشر في منطقة الشرق الأوسط سجلت معدلات نمو قياسية، فقد احتوت نسخة الدليل لعام 2006 على أكثر من 700 مجلة و 170 صحيفة و140 محطة تلفزيونية و145 محطة إذاعية في 14 دولة في المنطقة .. وعرض العزاوي مواقف الدول العربية من قضايا الاعلام العربي المركزية ونوه الى تباينها في شتى الميادين: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقها التام في المسائل الامنية، فالامن في تعريفها هو امن النظام والحاكم وليس امن الوطن والمواطن. ولتحقيق امن النظام واستمرار تسلط الحاكم، لاحظ النجاح المنقطع النظير لمؤتمرات واجتماعات وزراء الداخلية ووزراء الاعلام العرب على وجه الخصوص.. وعلى اثر هذا النجاح فقدت وسائل الاعلام العربية حريتها المنشودة، ويجري تقييدها بشتى انواع الممنوعات ومن الملاحظ ان وسائل الاعلام العربية تواجه التحديات التالية :
أولاً : تحكم الاجهزة الامنية والسياسية بالحريات الاعلامية : ان الحريات الصحفية والاعلامية حتى وان كانت مكفولة دستوريا او واردة في قانون المطبوعات، وحتى لو منعت هذه القوانين حبس الصحفي، فإن الاجهزة السياسية والامنية، يمكنها ان تصادر هذه الحريات وتلاحق الصحفيين قضائياً بتهم اخرى وتحكمهم استنادا الى قانون العقوبات أو القانون التجاري أو الاداري أو الامن القومي أو قانون العمل والجنسية والاحوال الشخصية كما يحدث باستمرار .
ثانياً : تبعية وسائل الاعلام للانظمة : لا تتمتع غالبية الصحف الكبرى ووسائل الاعلام المسموعة والمرئية في الدول العربية بالاستقلالية المالية او السياسية عن الانظمة القائمة، ففي ليبيا وتونس وسوريا الاعلام كله بخدمة الرؤساء ، وفي الدول الخليجية فأن اكثر الصحف ووسائل الاعلام مملوكة من افراد من الاسر الحاكمة، أو مدعومة منها او من رجال الاعمال المرتبطين بها ، وفي العراق تسيطر الحكومة والاحزاب المؤتلفة بالسلطة وامريكا وبريطانيا وبعض الدول المجاورة على التوجهات السياسية للاعلام عامة، وفي مصر تعين الحكومة بنفسها رؤساء تحريرها، وحدها لبنان تتمتع ببعض الاستقلالية والحرية النسبية في حدود لعبة التوازن الطائفي والديني والتأثيرات الاقليمية والغربية..
ثالثاً : المحرمات الثلاثة في الاعلام العربي : تخضع وسائل الاعلام باسرها في الدول العربية لمراعاة ثلاثة محرمات على النقد لا يمكن تجاهلها وهي : تحريم الاساءة الى الاديان ، تحريم الاساءة للحكام ( باستثناءات نسبية في لبنان والجزائر والعراق ومصر والسودان)، تحريم الاساءة للاداب العامة والتقاليد الموروثة رابعاً : التأثير الديني على الاعلام العربي : من الملاحظ ان اغلب الانظمة العربية تخشى من التيارات الدينية المتطرفة التي تؤثر بنحو كبير على الرأي العام العربي، لذلك تضغط هذه التيارات على وسائل الاعلام العربية وتسخرها لخدمتها وتسويق افكارها.
خامساً : غياب ثقة الرأي العام بوسائل الاعلام العربي : ينظر الرأي العام العربي بعين الريبة لوسائل الاعلام العربية باستثناء الاعلام المعارض منها وهو ضعيف عموماً .. وقد ساهمت الفضائيات والشبكات الاعلامية الانترنوتية في تعبئة الرأي العام العربي وبنحو وترسيخ مبدأ حرية التعبير، والدفاع عن العديد من القيم الديمقراطية، وهو ما دفع وزراء الاعلام العرب لاقرار " وثيقة البث والاستقبال الفضائي في المنطقة العربية" في الثاني عشر من فبراير عام 2007 لخنق الحريات الاعلامية ووضع ضوابط وعقوبات لمن يتجاوزها.
سادساً : التقدم التقني والتخلف التشريعي في حماية الاعلاميين : على الرغم من النمو الهائل في تقنيات وسائل الاعلام في قطر والسعودية والامارات العربية المتحدة ، بحيث اصبحت قطر سيدة الاخبار السياسية، ووقفت السعودية على صدارة الفضائيات، بينما شهد قطاع الاعلام في أبوظبي تحولات جذرية من حيث المضمون والشكل والأداء الذي يواكب العصر ويلبي تحديات القرن الحادي والعشرين. على الرغم من ذلك لم تتحسن بعد اوضاع الاعلاميين غير الوطنيين ونعني العرب والاجانب ، فلا توجد نقابات صحافية ولا حقوق للمئات منهم، فنظام الكفيل يسمح بفصل اي اعلامي عربي او اجنبي وطرده من البلاد خلال ساعات. وبنحو عام لا يعرف الاعلاميون العرب حقوقهم الدولية وما تمنحهم قرارات الامم المتحد وخاصة قرار 1732 من حماية .
سابعاً : غياب سلطة الجمهور : تخضع وسائل الاعلام العربية بشكل عام، كمثل غيرها من وسائل الاعلام العالمية لثلاث سلطات وهي : السلطة السياسية التي تستخدمها كأداة للتأثير على الرأي العام ، وسلطة رأس المال التي تسخرها لخدمة مصالحها الاقتصادية ، وسلطة الجمهور ، بيد ان العلة في المنطقة العربية ان السلطة الثالثة افتراضية فحسب لجمهور مازال مهمشاً مستهلكاً وغير فاعل . فالجمهور العربي الذي لا يتمكن من اختيار حكامه او من يمثله برلمانياً باستثناءات نسبية ( لبنان، والعراق ) هذا الجمهور يبقى عاجزاً على اختيار نظامه السياسي وليس له سلطة على الاعلام .
وبعد ان عرض بالتفصيل لاوضاع الاعلام في تونس والمغرب وليبيا والعراق والبحرين وسوريا وصل الى النتائج التالية :
لا ريب ان اية محاولة تقويمية لاوضاع وسائل الاعلام في الدول العربية الست التي استعرضناها ستبرز لنا التالي : ـ تخلف قوانين الصحافة والمطبوعات وعدم ملاءمتها لمستجدات العصر، التناقض العام بين ما تسمح به الدساتير من حريات نظرية وممارسات الاجهزة الامنية واللجوء في اغلب الحالات الى قانون العقوبات لحبس الصحفيين،
عدم استقلالية القضاء وخضوع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية،
ـ صعوبة الوصول الى المعلومة،
-عدم استقلالية وسائل الاعلام وهيمنة الدولة والاحزاب بنحو نسبي في العراق، البحرين، المغرب، وبنحو مطلق في سوريا وليبيا وتونس
ـ الحرية المطلقة باستخدام الانترنت في العراق والنسبية في المغرب وتقيدها في بقية الدول استخدام السلطات للاعلام كوسيلة لترويض المجتمع وليس لتوعيته،
ـ قدسية الاسلام ، قدسية الحكام المطلقة في سوريا والبحرين وتونس وليبيا والمغرب.
ومما سبق يتضح لنا بأن مهنة الاعلام في الدول العربية محفوفة بالمخاطر، واية محاولة لتطوير سبل عمل وسائل الاعلام والاعلاميين سوف تصطدم بالعوائق التي ذكرناه أنفاً .. وقد حاولنا من خلال "مركز الدوحة لحرية الاعلام" الذي يعتبر امتدادا اخر لمنظمة "مراسلون بلا حدود" ان نخاطب السلطات العربية وننظم مع مسؤوليها اللقاءات، ونقول لهم بأننا لن نلجأ لاصدار البيانات او الاستنكارات كما تفعل " مراسلون بلا حدود" او غيرها من المنظمات ، لن نخلق لكم المشاكل ولكننا سنقدم لكم الحلول، وذلك من خلال تحديث وتطوير قوانين الصحافة والمطبوعات بما يلائم مقتضيات العصر، وبالفعل قدمنا لبعضهم قوانين نموذجية، بيد ان الامر يبقى عسيراً ، والتقدم الذي حققناها لا يكاد يذكر ..
وبناء عليه من الصعب ان نكرر ، كما يفعل العديد من الخبراء التقليديين ، مجموعة التوصيات المعتادة كوصفة الاطباء ، لأن المسألة لا تتعلق بتحسين إداء مجموعة عمل ما أو تحسين انتاج مادة ما. المسألة هنا تتعلق بصلاحيات ونفوذ من يمسك بدائرة السلطة في بلداننا .. هذه السلطة الشمولية التي تهيمن على كل شيء وتدير مقاليد الامور وفقاً لمصالحها ومصالح الاسرة او الحزب او العشيرة من حولها .. انها منظومة سلطوية مارست وما زالت تمارس استغلال كل وسائل الاعلام لصالحها .. فكيف لنا ان نحرر الاعلام من قبضتها ؟ .. ان اية حريات تتمتع بها وسائل الاعلام ستكون بالقطع على حساب السلطات المطلقة .. وهو ما يوصلنا الى بديهية نعرفها جميعاً وهي أن حرية وسائل الاعلام لا تتحقق من دون تقوية المجتمع المدني ومؤسساته، وهي مرتبطة بمدى التطور الحادث في المسار الديمقراطي بنحو عام ..