سليمان تقي الدين
أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تقريره الدوري عن تنفيذ القرار 1701 في جنوب لبنان . جاء التقرير شاملاً كل الأوضاع اللبنانية، فتناول تطور الوضع على صعيد الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية، كما تناول موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها، وعرض لما جرى تداوله في بعض الأوساط الدولية عن إعطاء سوريا سلاحاً صاروخياً جديداً للمقاومة، وتوقف عند تطور العلاقة بين قوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" والجيش اللبناني والأهالي في جنوب لبنان . انطوى تقرير الأمين العام على تقييم سلبي للأوضاع محذراً من احتمالات عودة التوتر واستئناف الأعمال العدائية . يذكر هنا أن القرار الدولي 1701 لم يلحظ وقفاً نهائياً لإطلاق النار، بل وقفاً للأعمال العدائية . طبعاً لم يلحظ تقرير الأمين العام كون الدولة الصهيونية تنتهك باستمرار القرار الدولي في أكثر من مجال بما فيها اختطاف مواطنين لبنانيين خلف الخط الأزرق . ذكر التقرير فقط الطلعات الجوية الاستكشافية فوق الأراضي اللبنانية .
لم يتوقف أبداً عند إلزام القرار الدولي بإخلاء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لصالح قوات الأمم المتحدة، بل ذكر فقط ضرورة الجلاء عن القسم الشمالي من بلدة الغجر وهو الجزء الأقل أهمية . لكن التقرير اعتبر ما تعلنه المقاومة عن جهوزية واستعداد للرد على أي عدوان، وامتلاكها لسلاح يطاول الحدود البحرية لفلسطين المحتلة، دليلاً على استمرار حصولها على السلاح وهو ما يشكل خرقاً . ولم يلحظ التقرير الدولي مثلاً تهديدات القيادة السياسية والعسكرية للدولة الصهيونية نحو لبنان والدول العربية الأخرى ومنها طبعاً سوريا . يأتي تقرير الأمين العام في ظروف مستجدة على الجبهة الجنوبية، حيث تتحرك قوات "اليونيفيل" لأول مرة في مناورات واسعة تحت عنوان احتمالات شن حرب صاروخية من جنوب لبنان باتجاه فلسطين المحتلة، وقد اصطدمت تلك المناورات بالأهالي في أكثر من بلدة وموقع، ووقع بعض الجرحى حيث حصلت اشتباكات بالحجارة والأيدي والسلاح الأبيض . ودعا المسؤولون الفرنسيون الدولة الصهيونية لاجتناب الاشتباك مع قواتهم في حال اندلاع أعمال العنف، وكل التقارير الدولية تحذر من انقلاب الوضع في الجنوب نتيجة سوء تقدير للموقف، أو هكذا صرّح أمين عام جامعة الدول العربية .الصحف الغربية البارزة تنشر بين الحين والآخر سيناريوهات للحرب المحتملة أو المتوقعة، ومؤخراً تناولت الصحف اللبنانية مشهداً لاندلاع الحرب على لبنان وحده في الخريف المقبل بعد أن تكون الأجواء اللبنانية قد عادت إلى التأزم السياسي في إثر صدور القرار الظني عن المحكمة الدولية الذي يرجح أنه سيتجه إلى اتهام "حزب الله" على نحو ما سربت مجلة "دير شبيغل" الألمانية . في هذا السيناريو فإن الحرب على لبنان ستكون شاملة وتدميرية، لا تستثني أية منطقة ولا أية جماعة، وهي تهدف إلى خلق أوضاع إنسانية غير محتملة تؤدي إلى محاصرة المقاومة وسلاحها سياسياً وبتصاعد الغضب الشعبي من مآسي الحرب، ولا يخفي المعلقون الاستراتيجيون في الدولة الصهيونية أن مثل هذه الاحتمالات واردة لحظة شعور الكيان الصهيوني بإمكان حصر الحرب على الجبهة اللبنانية واستبعاد المواجهة مع سوريا وإيران. لا أحد يدري تماماً رد الفعل السوري في مثل هذه الظروف، لكن المسؤولين السوريين أعلنوا في غير مناسبة أن الحرب ستكون شاملة، بأي معنى وبأية حدود وما هو مسرحها وما هي ظروفها، لا أحد يستطيع أن يجزم، غير أن كل ما يشاع على هذا الصعيد ينطلق من زاوية واحدة هي زاوية الفعل الصهيوني . لا شك في أن هذا الفعل كبير وخطير، ويملك قدرات تدميرية هائلة ويستطيع استخدام أسلحة نوعية ومحرمة دولياً وهو في حل من أمره لأنه لا يتعرض لأي مساءلة على المستوى الدولي . لكن رد الفعل المتوقع ليس سهلاً كما يعتقد بعض المراقبين، واحتمالات الاحتلال الميداني من الصعوبة بمكان تجعل النتائج السياسية للحرب غير مضمونة لصالح مثل هذا العدوان، وربما كان الهدف الرئيسي فعلاً هو خلق أوضاع سياسية مناهضة للمقاومة واستثمارها . هذه الفرضية حقيقية، فالحرب ليست حدثاً عسكرياً فقط، ليست النتيجة العسكرية وحدها ما يقرر النتائج الأخرى، وفي مطلق الأحوال استبعاد الحرب ليس تفكيراً صحيحاً، لأن حاجة الكيان الصهيوني والغرب إليها ضرورة ماسة . أمام هذا الانسداد في الآفاق السياسية خاصة إذا انجلت المفاوضات غير المباشرة مع الفلسطينيين عن فشل وهي ذاهبة في هذا الاتجاه، فإن الحرب على لبنان ليست لبنانية فقط، إنما هي ذات هدف إقليمي، إذ تستطيع الحرب أن تغيّر التوازن القلق الحالي، وتستطيع أن تقلّص الدور السوري والدور الإيراني أو هكذا يراد لها أن تكون . وعلى الجبهة الداخلية في لبنان ما زال خط الانقسام الوطني قائماً ولا اجماعات حول السياسات الإقليمية، وهناك رهانات لدى بعض القوى على تغيير الموقف، وهناك من يتوقع المزيد من الضغوط على سوريا بعد تأخير عودة السفير الأمريكي وتأزم المشكلات الإقليمية من العراق إلى فلسطين . جميع الملفات في المنطقة تراوح مكانها، فلا مصالحة عراقية ولا حكومة وحدة وطنية . لا حل على المسار الفلسطيني ولا بوادر مفاوضات سياسية جدية . لا تفاهمات عميقة عربياً في الموضوع اللبناني . هناك دول ما زالت تعمل على دعم قوى لبنانية ترفض نتائج اتفاقية "الدوحة"، وقد ظهر مؤخراً تباين في التعامل مع مسألة انكشاف شبكات الجواسيس والعملاء، هناك من يعتقد، ربما عن حق أن اختراق نظام الاتصالات اللبناني قد ساهم في نتائج التحقيق الدولي . والعكس صحيح أيضاً ربما كان كشف هذا الاختراق سيؤثر في مصداقية قرارات المحكمة الدولية . عودة الحذر إلى دور المحكمة الدولية ووظيفتها هو أمر مشروع لا سيّما أن ما رافق التحقيقات لم يكن مهنياً وشفافاً، وقد خالطه تدخل لحرف التحقيق عبر افتعال الشهود والتحريض في اتجاه معين، وما تزال المحكمة الدولية أداة فعالة للتأثير في مجريات السياسة اللبنانية، وعلى الأقل أن قرار هذه المحكمة قد يفتح النزاع مجدداً بين الفئات اللبنانية الطائفية والمذاهبية، وربما يشكل انتكاسة في العلاقات العربية اللبنانية السورية والسورية السعودية أو يوظف في هذا الاتجاه . اللافت في كل ما يجري هنا أن الركود الحالي في العلاقات العربية لا يسمح بتدارك الأزمات الآتية والمشكلات التي ترتسم في الأفق اللبناني، أما اللبنانيون فهم الضحايا لكن قادتهم يغامرون في كل شيء ولا تقدم في المسؤولية التي يظهرونها.