فتحي أبو رفيعة
في المشهد الأخير من رواية ميرال الطحاوي الأخيرة ' بروكلين هايتس' تعرض لنا المؤلفة صورة بطلتها ' هند'، بنت العرب ذات الجذور القبلية والتي نشأت في مجتمع أبوي بطريركي وعائلة كبيرة تقدر قيمة الذكور وتعتبر أن ' خلفة البنات مظلمة تسوِّد الوجه وتخرب الجيب'، هند التي هجرت وطنها إلى بروكلين هايتس في إثر تجربة شخصية وإنسانية مخلفة وراءها واقعا مشحونا بالخيانة والتفسخ والجحود، في هذا المشهد الأخير تذوب شخصية هند تماما في مختلف أشكال الأعراق التي يموج بها هذا الحي القديم، فاليهود سيعتبرونها يهودية مشرقية، والإسبان سيعتبرونها إسبانية، والهنود سيعتبرونها هندية، وسوف يعتبر نازحون آخرون أنها لا تختلف عنهم. إنها هند، التي تنظر الآن في المرآة، كما تقول المؤلفة، 'فلا ترى روحها، سترى فقط مجرد امرأة وحيدة تشبهها'. بهذه الخاتمة التي تكاد أن تكون خاتمة '
انتحارية'( حيث تمّحي فيها صورة البطلة) تنتهي أحداث ' بروكلين هايتس' التي تحكيها بطلتها ' هند'، مدرسة اللغة العربية التي لا تقدم فيها حكايتها هي فحسب ( وهي في حد ذاتها حكاية إنسانية مثيرة)، لكنها تقدم بانوراما شاملة من حيث الزمان والمكان، منطلقة من بيئة ريفية شبه قبلية في سنوات الانفتاح والمدّ الديني والتحولات الاجتماعية المفاجئة التي انعكست على علاقات ومصائر الأفراد والأسر والعلاقات المجتمعية، لتعبر الحدود إلى بيئات عرقية متنوعة يضمها حي بروكلين القديم في مدينة نيويورك في حقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول ( سبتمبر) 2001، مجسدة بذلك فكرة الفيلسوف الألماني غوته عن الأدب العالمي الذي هو بمثابة عملية دائبة من التبادل والتفاعل بين الأمم والثقافات. وفي هذا الإطار الزماني والمكاني الشاسع برعت ميرال الطحاوي في تسليط عدستها الأنثروبولوجية التي ميزت أعمالها السابقة على قضايا إنسانية وعالمية راهنة كقضايا ما بعد الاستعمار والهجرة والاغتراب والتنوع الثقافي والهويات القومية، وكل ذلك من خلال رؤية ' هند' التي يمكن اعتبارها البطلة الوحيدة في رواية متعددة الأصوات والرؤى حافلة بكل أنواع التجريب السردي ما يضعها في صدارة الأعمال الروائية الغزيرة التي غمرت الساحة الأدبية العربية في الآونة الأخيرة.تفتتح الرواية بمشهد هند وهي تطالع في محرك غوغل الإلكتروني موقع الشقة التي ستؤويها في بروكلين هايتس، وسيكون هذا المدخل هو وسيلة ميرال الطحاوي لكي تفتح على القارئ مخيالا، أو مشكالا، زاخرا بلوحات وصور ونماذج نابضة من حياة منصرمة وحياة مقبلة. ' هند'، المشبعة حتى النخاع بتراثها الشرقي، بكل مسراته وأوجاعه، تتجه غربا في رحلة إلى المجهول، وتقدم للقارئ، في مخيال مبهر، وعبر سرد إنساني رهيف، عملا مركبا متعدد المحاور يمور بصنوف السلوك الإنساني والتحولات الفكرية والاجتماعية ومحاولات التنصير والأسلمة وغرائب اللغط الديني، مهرجاناً من الصور والحكايات المبهرة والكاشفة عن التحول الذي أصاب المجتمع في تلك الحقبة الموارة بالتغيير. تعتمد ميرال في رسم كل هذه الصور وتقديمها إلى القارئ تقنية المخيال، أو الكلاديسكوب، أو بمعنى أبسط ' صندوق الدنيا' الزاخر بألوان القص والحكايا.لقد توالت على هند من النكبات الشخصية و(القومية) في حياتها المنصرمة ما جعلها تقرر الرحيل والتخلي عن واقع فقد كل عوامل تماسكه أو قبوله أو التعاطف معه أو السكوت عنه. وتحكي ' هند' عن مجتمع ينسحب من تاريخه ويتخلى عن قواعد سلوكه وينخرط في دوامة سحيقة من أنماط سلوكية جديدة وغريبة تجسدها التحولات التي طرأت على بيت هند نفسها، وعلى شخصيتها عبر سنوات الطفولة والمراهقة والصبا والزواج. على نفس هذا المستوى العام أيضا، ترصد هند بعض مظاهر تحولات الانفتاح التي أصابت المجتمع في حقبة السبعينيات، من طغيان المادة، والهجرة إلى بلدان النفط، وتدهور السلوكيات والأخلاقيات العامة إلى انهيار المثل والعادات والتقاليد، وذلك عبر نماذج بشرية يمكن العثور عليها في كل المجتمعات: الخياطة فاطمة القرومية التي تحولت إلى مقصداره ترفض تصليح ثياب أم هند ( قولي لماما أنا ما عدتش باصلح. أنا مقصي دلوقتي ما يتحطش إلا في الثوب اللي لسه بوبله)، أي الجديد الذي لم يمسه قبلها أحد؛ وتلميذات الفصول اللاتي أصبحن يحترفن الرقص وإغراء مدرسيهن؛ ومدرس الرسم الذي يحرِّم رسم البني آدم وكل ما له روح، والذي ينتهي به الأمر إلى الزواج سرا من التلميذة اللعوب زوبة التي ترفع شعار ' النظر فقط بربع جنيه' وتمارس هذه الهواية مع تلاميذ مدرسة الصبيان المجاورة؛ والأستاذ العائد من بلاد اليمن على جبينه علامة الصلاة وفي جيبه مسك مكِّي ويرتدي الجلاليب البيضاء القصيرة، وصار يعمِّر في مسجد النور أو المسجد الكويتي لصاحبه الذي لم يره أحد، وصار يخطب ويؤذن ويؤم ويذبح العقائق ويجمع التبرعات للمجاهدين الأفغان ويناضل ضد مذابح المسلمين في البوسنة ويسمع صوته الجهوري وهو يقول: يا رسول الله أمتك يتكالب عليها الذئاب، ويبكي الناس تأثرا لأنهم فقراء. وقد أصبح مدرس العربي الثاني أول من فتح محلا لبيع البلاستيك ومنتجاته وسماه البركة ثم ثنَّاه بآخر للسراميك والبلاط ليلبي احتياج البيوت الحجرية الجديدة وأسماه القدس ثم فتح عدة توكيلات أخرى لبيع السلع الكهربائية وأسماها الفرقان.
مخيال الطحاوي يغوص في عقلية الشرقيين القادمين من وراء البحار، لاجئين هاربين من الحروب أو القمع ( مثلها) حاملين معهم خزعبلاتهم الدينية التي يمضون وقتا طويلا في تسجيلها على أوراق وتوزيعها على الناس. خزعبلات من قبيل تفسير أن هجوم الحادي عشر من أيلول ( سبتمبر) ورد ذكره في القرآن الكريم، مدللين على ذلك بعمليات حسابية غريبة تثبت أن ذلك الهول العظيم وقع كما حدده الله تعالى منذ أكثر من 14 قرنا من الزمان. نماذج بشرية كثيرة، يقدمون أنفسهم للتعارف في حصة لتعلم اللغة الانكليزية: إميليا الروسية وفريدناز الباكستانية وأليهاندرو من بيرو ونزهات من البوسنة والهرسك ودويج من هايتي وسعيد القبطي القادم من مصر. هجين بالغ التنوع لا بد من أن تصدر عنه عجينة غريبة من الأفعال والتصرفات وإبداع لا مثيل له في فرادته وتنوعه. ' هند' ميرال الطحاوي شخصية تستعصي على الوصف أو الاختصار، وهي تنضم فورا إلى كوكبة الخالدات في الرواية المصرية مثل ' زينب' في رواية محمد حسين هيكل التي تحمل نفس الاسم، و' سلوى' محمود تيمور في ' سلوى في مهب الريح' و' زهرة' نجيب محفوظ في ' ميرامار'. لقد وجدت هند نفسها في خضم مجتمع غريب عليها تماما، مجتمع حافل بكل الاتجاهات الفكرية والاجتماعية: مجتمع الشخصيات التي تبحث عن ذاتها وقد خرجت من أوطانها التي ربما تكون قد تحررت من قيود الاستعمار لكنها ظلت أسيرة تقاليد وقيود وعادات رمت بها في أتون تيارات مريبة ومتضاربة من السياسات والاتجاهات. في تحولاتها لتحقيق بطولتها كانت أول بنت ارتدت في المدرسة هذا الحجاب المسدل الطويل. كانت البنات يضعن على رؤوسهن أغطية خفيفة تكشف نصف الشعر والضفائر الطويلة. حتى القرويات كانت ضفائرهن تترنح من جانب الشعر بلا مخاوف، حتى وضعت هي هذا الحجاب الثقيل على كامل رأسها وقالت إن الله أمر بالخمار وليس بالايشارب الشيفون الهفهاف لتظهر التقشف والزهد. ارتدت الكثيرات في المدرسة ذلك الحجاب الثقيل مثلها رغبة في إظهار مزيد من الاحتشام فاختارت اللون الأسود أو الأزرق لحجابها لتظهر مزيدا من الخشية والتدين والاختلاف، ثم كانت أول من لبس قفازا أسود وقالت بتواضع: أنا لا أصافح، لعن الله المصافح والمصافحة. كانت تسير في طريق طويل من عقاب الذات وجلدها بمزيد من النواهي، وحتى بعد أن بحثت في عدة تفاسير وعرفت أن المصافحة هي التماس الجسد بالجسد ومنها المحاككة والملامسة وأنها تفضي إلى المضاجعة، وأن كل ذلك ليس له علاقة بسلام عابر، وقرأت عدة تفاسير لكنها ومن باب دفع الشبهات، ظلت ترى في السلام شبهة وأنه يفتح باب الإثم وأن القلوب تسلم والأجساد تهم بالخطيئة. كانت أول من استبدل ' صباح الخير' لزميلاتها بـ ' السلام عليكم'. كان ذلك حدثا غير عادي، فكل من لم يسلم آثم قلبه. كانت مشغولة بالإثم طوال الوقت. مشغولة بتفسيره وتأويله وبالبحث عن قائمة من التفسيرات التي تجعلها وحدها القائمة بفهمه. كانت أول من صمم تلك الوقفات الخماسية للوعظ والإرشاد في ركن المدرسة، وكانت براعتها أن تجعل الآخرين يبكون ويشعرون بالذنب، أي ذنب. كان ذلك مبهجا لأن الطريق الطويل الذي عاشته يبدأ بالذنب وينتهي به. وبينما انشغل الطلبة بالإذاعة المدرسية والأنشطة الطلابية ومجلات الحائط الفكاهية كانت هي مشغولة بغض البصر وكبح الشهوة وبأن تكون شيئا عظيما. لكنها مثلما لبست هذا الإسدال الأسود الطويل كانت أول من خلعته. وقالت إن الستر لا يتنافى مع الجمال والله أباح ما ظهر منها، ودخلت في متاهة طويلة من التفسيرات التي تجعل تراجعها مقبولا، واختياراتها الجديدة مسنودة بدعم النصوص التي تفسرها على راحتها لتملك هذا الوعي المغاير للآخرين. كانت مشغولة في ذلك الوقت بأن تكون مختلفة، استبدلت الأثواب الواسعة التي تجرها وراءها في التراب بأخرى أقصر أضيق وأكثر انسجاما مع تضاريس جسدها، أثواب ملونة بتلك الألوان الزاهية التي اشتهتها، لأنه لم يثبت تحريم لها، وتركت أيضا خصلة شعرها تنحدر من أسفل غطاء رأسها لأن الله غفور رحيم ولن يرى في خصلة شعرها إثما كبيرا. هاهي الآن تسير في بروكلين مكشوفة الرأس ولا أحد ينظر إليها. نظراتها ما زالت مصوبة إلى الأرض لأنها لا تستطيع أن ترفع رأسها أبعد من ذلك. نظراتها الخائفة تعبيرٌ عن ميراث طويل من غض البصر والخوف والانسحاق و التلاشي في آن واحد.