ثقافية: إنّها تدقّ من أجلنا

 
 


لطيفة باقا
نتحرّق في أماكننا فوق مقاعد خشبية غير مريحة، أمام دفاترنا التي وصلت الى حالة مزرية مع نهاية الموسم الدراسي. أمام المنضدة التي فقدت لونها حيث المحبرة الملطخة بمداد أسود يمتدّ سواده إلى أصابعنا ووزراتنا البيضاء. نتحرّق ونحن نعلق عيوننا بما يقتضي ذلك من حذر، على مربع النافذة التي تطلّ على ساحة المدرسة، متربّصين بانتفاض ذلك الجرس ذي الرنين القويّ المزعج الذي لم يكن يزعجنا، طبعا، معلنا عن انتهاء حصّة الدرس. لننطلق في "هبة" طفل واحد (على صيغة  هبة رجل واحد كما في نشرة الأخبار الرسمية) راكضين بعيدا عن فصول الدرس و عن عصا المدرس،  متحررين من المقاعد و القواعد لنعانق أجسادنا التي اختزلت في أدمغتنا و عيوننا و أصابعنا المتسخة.



 أجسادنا الصغيرة التي تعلمنا أن "نأجلها"  حسب نظام صارم أحدثه اختراع اسمه المدرسة، كان يعني في ذلك الزمن.. ضمن ما يعنيه،  أن نلتزم بأماكننا فوق كراسي قديمة محفرة ببركارتلاميذ عدوانيين سبقونا إليها، لنستمع إلى قواعد غبية يرغمنا على حفظها عن ظهر قلب، رجل  قاس اسمه "السي المعلم". كلّ ذلك يتمّ في إطار مخطط استراتيجي لإحكام السيطرة على طبقة الأطفال الأحرار و الحدّ من تحركهم  وانطلاقهم وعفويتهم داخل المجال العام المشترك... يرنّ الجرس في السّاحة الواسعة حيث ترتفع أشجارعالية، تكاد تعانق نوافذ الفصل الدراسي .أشجار يمنع علينا، طبعا، تسلقها..  "فنتحرر".
كنا "نتحرر" نهاية كل يوم دراسي، لكننا "نتحرر" أيضا لمدّة أطول من حين لآخر: مثلا، عندما يأتي العيد الكبير أو عندما يأتي الربيع أو لنتذكر جميعا "المسيرة الخضراء" (وزارة التربية الوطنية ستقرّر أربعة أيام لعملية التذكر هذه) وأحيانا كان المرض أو ادعاء المرض حتّى، يحررنا من المدرسة . لكن "التحريرة" الحقيقية لم تكن تتحقق سوى مع حلول "العطلة الكبيرة" أي عطلة فصل الصيف التي كانت تتجاوز الشهرين ابتداء من شهر حزيران حتى منتصف  شهر تشرين الاول..."تحريرة" طويلة ومحترمة تماما. كنا نعود بفضلها الى الحياة المنطلقة... إلى لعبنا الممتع و نومنا الطويل بدون استعمال المنبه.. إلى أكلنا غير المستعجل و ضحكنا القادم من أعماق فرحنا الطفولي، مستقبلين ملء صدورنا، موسم الصيف و البحر و السفر.
كانت أمهاتنا الطيبات (بأربع درجات على الأقل أكثر من آبائنا)، يصحبننا إلى شاطئ البحر مرّة في الأسبوع أو كلما نجحنا في اختبار الحدّ الأدنى للانضباط الشهري. الشاطئ و السباحة كان هدية نهاية الأسبوع المفضلة  عندما كنا نقبل على الشارع الطويل المؤدي إلى الساحة حيث مرأب السيارات و المقاهي. يبدأ ذلك الرذاذ الخفيف والذي يكاد يكون وهميا، يداعب بشرتنا، رذاذ خفيف جدا يتردد في الهواء له مذاق مالح في أفواهنا. فتقفز فرحا تلك العصافير الصغيرة المختبئة داخل  صدورنا. الموسيقى الصاخبة التي تسبح في السماء تعانق موجات من صراخ الفرح القادم من هنا أو من هناك، ممزوجا  بصوت ارتطام الأمواج و برائحة البحر. فتعانق أرواحنا  الفضاء الطبيعي و تستعيد نفسها، تماما كما يمكن للنهر أن  يستعيد  نفسه و هو يعود لمجراه الحقيقي.
وكان لتلك اللحظات  مذاق استثنائي  سوف لن نشعر بمثله أبدا فيما سيأتي من أيام . كلّ جرعات السعادة التي تمنحنا إيّاها العطل القصيرة لا تساوي شيئا أمام ذلك التدفق من الفرح الذي يرافق العطلة الكبيرة. "التحريرة" تسمية طفولية بليغة واردة مباشرة من قاموس مفهوم"الحرية"، الكلمة  التي سنعرف معناها فيما بعد. و التحريرة تعني أيضا.. أننا حتّى وإن كنا سنتعلم كيف نحب المدرسة وننتمي إليها(وهذا هو ما سيحصل بالتأكيد، و إلاّ لم نكن على ما نحن عليه اليوم) فإننا سنظلّ عاشقين أبديين للعطل،  وللعطل الكبيرة بالتحديد... بطبيعة الحال.ترى من يتذكر رنّة ذلك الجرس وهو يصدح في باحة مدرستنا القديمة في آخر يوم من الموسم الدراسي؟
"لمن تدقّ الأجراس" إذن، كما قال ذات يوم إرنست هيمينغواي. أسمع طفلة صغيرة بجانبي تجيبه:
إنها تدقّ من أجلنا

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار ثقافية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في ثقافية:
كيف غزا حاتم علي السينما المصرية؟