تعتبر شبكة الإنترنت كنزا للمعرفة، ولكن هناك من يرى أن كميات المعلومات التي تغرقنا بها الشبكة باتت تغير الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، وتجعل من المستحيل بالنسبة إلينا التركيز بصورة كاملة.
إنني مدين للجهاز الذي يقبع أمامي، فعن طريقه استطيع الحصول على معلومات في أمسية واحدة أكثر من تلك التي ضمتها مكتبة الإسكندرية الشهيرة، مستودع المعرفة في العالم القديم.
فهناك الآلاف بعد الآلاف من الغيغا بايتس من البيانات متوافرة بالمجان، ولا تتطلب بذل كثير جهد في الحصول عليها. فمن خلال ضغطة على فأرة الكمبيوتر تصل إلى جميع الأعمال العظيمة من قصائد شكسبير على كتابات داروين وفرويد واسحاق نيوتن، ناهيك عن( المجارير) النتنة التي تلوث المناطق السفلى في الفضاء الالكتروني.
ويبدو إن جميع المعرفة الإنسانية موجودة هناك. أو كل تلك التي ما زالت غير محاطة بأسوار حقوق الملكية الفكرية. وهذا المحيط المتلاطم من البيانات والمعلومات يزداد ويتسع خلال كل دقيقة في اليوم. وتمثل الانترنت ثورة ثقافية من النوع الذي لم نشهد له مثيلا منذ اختراع المطبعة، أو ربما اكتشاف الكتابة. وهي تعد باضفاء مبدأ الديموقراطية في ما يتعلق بحيازة ونشر المعلومات.
الجوانب المظلمة
وقد تم النظر إلى هذا الجانب بصفة عامة على إنه يعتبر أمرا جيدا. بيد ان هذه النظرة لا يتبناها الجميع. فقبل عامين ماضيين كتب خبير في مجال التكنولوجيا يدعى نيكولاس كار مقالة مثيرة للجدل في مجلة ذي اتلانتيك تحت عنوان "هل تصيبنا غوغل بالغباء؟".
وتقول حجة كار، في مقالته التي توسعت الآن ونشرت في كتاب مثير للجدل ايضا: إن هناك جانبا مظلما لشبكة الانترنت.
والاشارة هنا ليست إلى المواقع الاباحية أو الى غرف الثرثرة المخيفة، فتلك قد تم توثيقها بصورة جيدة، بل إلى أمر اكثر خطورة لم يجد الاهتمام الكافي. فهو يقول ان شبكة الانترنت باتت تعلمنا التوقف عن التفكير.
وكتب يقول انه "خلال الاعوام القليلة الماضية ساورني احساس غير مريح بان هنالك احدا ما، او شيئا ما ظل يتلاعب بدماغي، اي يعيد رسم خريطة الدائرة العصبية فيه، واعادة برمجة الذاكرة. وانني لم افقد ذهني، حسب علمي، ولكنه بدأ يتغير. فأنا لم أعد افكر بالطريقة التي اعتدت ان افكر بها".
غياب التركيز
وما يتحدث عنه كار هو عدم القدرة على التركيز في اي شيء لفترة تمتد لاكثر من لحظات. وقد سأل اصدقاءه عن ذلك، وكانت النتيجة انهم يوافقونه في قوله. فالبعض منهم توقف عن قراءة الكتب تماما.
وقال احد الاطباء "لقد فقدت الآن تماما القدرة على قراءة مقال طويل واستيعابه، ان كان ذلك المقال مطبوعا او منشورا في شبكة الانترنت".
وتحدث آخر عن تفكيره "المتقطع". وقال "لم اعد استطيع قراءة "الحرب والسلام". لقد فقدت القدرة على القيام بذلك".
واحساس كار، الذي يشاركه فيه العديد من اصدقائه، هو ان هناك امرا بغيضا يحدث في اذهانهم، وانه لديه شكوك ان الانترنت وراء هذا الامر.
وظل يلقي عليها اللوم، من دون نظر او تدبر، في ما يتعلق بالعديد من الشرور التي اصابت المجتمع، ما جعله يدرك ان هنالك حاجة للوصول الى ادلة تدعم ذلك الاحساس.
وبالتالي شرع في التحدث مع علماء اللغة، واختصاصيي الاعصاب، واطباء الامراض العقلية، والاختصاصيين النفسيين، وتوصل الى نتيجة مزعجة تقول: نعم. ان الانترنت "وجميع فروعها الالكترونية مثل تويتر والرسائل الالكترونية وغيرها" تقوم باعادة صياغة عقولنا.
وتقول ماريان وولف الاختصاصية النفسية في جامعة تافتس والخبيرة الرائدة في العالم في مجال كيفية القراءة "نحن لسنا فقط ما نقرأ، بل كيف نقرأ. وعندما نقرأ في شبكة الانترنت فاننا نتحول الى مجرد اجهزة لفك شيفرة المعلومات".
ولاشك في ان شبكة الانترنت التي كانت ذات يوم مكانا يجمع الاكاديميين والهواة، احدثت تغييرا ضخما في المجتمع.
كيان إلكتروني ضخم
ومنذ بدايتها في اوائل السبعينات، تطورت الانترنت الى كيان الكتروني بالغ الضخامة، يتكون من عشرات الملايين من اجهزة التحليل المترابطة ومن بنوك البيانات، وهي آلة في حجم كوكب لا يمكن التحكم فيه، لديها قوة غير محدودة تقريبا ظلت من خلالها تستوعب، وبوتيرة سريعة، تكنولوجياتنا الثقافية الاخرى، حتى تلك الاكثر حداثة.
فقبل عشر سنوات مضت كنا نشتري الكتب والاسطوانات المدمجة (سي. دي) من شبكة الانترنت. أما الآن فقد تحولت الانترنت الى مستودع للكلمة المكتوبة التي يمكن تنزيلها وقراءتها في الوقت الذي يناسبنا من على اجهزة اللاب توب واجهزة القراءة الالكترونية وجهاز آي باد.
كما تمكنت الانترنت حتى من استيعاب اجهزة الكمبيوتر نفسها. فالمزيد من البرامج الكمبيوترية، بما في ذلك المواد التي نستخدمها في ادارة حياتنا ورسائلنا الالكترونية وغير ذلك، لم تعد "تعيش" في ذاكرة شرائح جهاز واحد، ولكنها باتت موزعة عبر الانترنت، فيما بات يطلق عليه اسم "السحابة" Cloud.
(المحرر العلمي ــ ديلي ميل)
ثورة مختلفة
تختلف الانترنت عن كل ثورات الاتصال السابقة الأخرى في أنها لا تمثل فقط بديلا لوسائل الإعلام القديمة، بل انها تقوم بتقويضها واستيعابها. فالصفحة في موقع الانترنت تبدو للوهلة الأولى شبيهة إلى حد بعيد لأي صفحة في كتاب ولكنها تختلف كثيرا عن تلك. وفعل قراءة الكتاب لا يجذب فقط حاسة النظر لدينا، ولكنه يثير أيضا حاسة اللمس. وأشياء مثل نوعية الورق وحجم المطبوعة بل وحتى حجم الحرف يكتسب أهمية أكبر مما نعتقد. وجوهر حجة كار يقول ان الانترنت تقوم بتقويض عملية التثبت والاستقصاء الفكري. ولننظر في مسألة وسائل الربط الكبرى hyperlinks، وهي الجسور التي ترتبط في ما بين الصفحات المختلفة في الشبكة، وتنقلنا بواسطة ضغطة واحدة على فأرة الكمبيوتر. فهي لا توجهنا إلى المعلومات ذات الصلة، أو تلك التكميلية فقط، بل إنها تدفعنا دفعا باتجاهها.
وبالنسبة للكتب والمكتبات، فإننا نقوم بالخطوة الفكرية المطلوبة نحو المجال البحثي بأنفسنا، ولكن الأمر لم يعد كذلك، فالآلة هي التي تفعل ذلك.
وإننا عندما نوكل مهمة الذاكرة إلى آلة، فإننا إنما نوكل إليها أيضا جزءا مهما من فكرنا، بل وحتى هويتنا. ويقول كار ان الانترنت لها تأثير مثل المخدرات الكيماوية، تمثل "مجموعة متنافرة من المحفزات" التي تعيق الأفكار الواعية وغير الواعية على السواء. وتمنع عقولنا عن التفكير اما بعمق أو بطريقة خلاقة مبتكرة. (ويضيف أيضا بطريقة تنم عن التعاطف).
قد يكون كل ذلك صحيحا، ولكنه لا يعني القول ان الانترنت تقوم بصياغة أدمغتنا. وكيف لنا أن نعرف إذا ما كان ذلك بكل بساطة مجرد تشويش كذلك الذي تحدثه الموسيقى أو الأفلام، وهو تشويش نستطيع التعافي منه بسرعة عند اغلاق مصدره.
منبر الكوكب
لقد تحولت الانترنت الى مكان عالمي للقاء ومنبر كوبي حديث يوزع ملايين الغيغابايتس من البيانات الشخصية والصور، والأفكار، ورسائل تويتر، والمدونات، والرسائل الالكترونية، والثرثرة، والنميمة، والغزل واستعراض الذات.ويعود الفضل الى شبكة الانترنت في ان اي شخص يستطيع ان يتحول الى ناشر، وكاتب، ووكالة صور، واستديو تسجيل، جميعا في باقة واحدة، فقد تحولت الانترنت الى خريطة لنا، وساعة لتحديد الوقت، ومطبعة، وحاسبة، وهاتف وجهاز للاستماع للموسيقى، وراديو وجهاز تلفزيون.
مرونة الدماغ
ان دماغ الانسان الراشد ليس عصيا على التغيير، فالكثير يعتقد انه بعد فترة البلوغ تكون التوصيلات الاساسية، وتركيبة المائة مليار من النيوترونات فيه قد ترسخت في شكل لن يتغير البتة، ما عدا التأثيرات الناتجة عن التقدم في السن.
وهذا قول غير صحيح، وذلك لان مرونة دماغ المراهق وكذلك الشخص الراشد تقدم دليلاً قوياً، وان كان من القرائن، بان فرضية كار قد تكون صحيحة.
وكما يقول جيمس اولدز استاذ علم الاعصاب في جامعة جورج ميسون فان "الدماغ يتمتع بقدر على اعادة برمجة نفسه وتغيير طريقة عمله ووظائفه"، وهذه القدرة تقل مع تقدمنا في العمر، فقد يواجه الدماغ بعض العقبات، ولكن حتى دماغ من هو في المائة من عمره يعيد صياغة نفسه بدرجة من الدرجات.
ولكن اين الدليل على ذلك؟ اجرى العالم في مجال الاعصاب مايكل ميرزينتش، ابان السبعينيات من القرن الماضي، بعض التجارب المروعة بعض الشيء، على قرود حية، وقد اعتبرت مروعة لان تلك مخلوقات ذكية ذات حس رقيق، وقام في تلك التجربة بحفر ثقوب في جماجمها، واوصل اقطابا كهربائية بادمغتها، وقطع اعصاب الاحساس في محاولة للوصول الى الكيفية التي يتعامل بها الدماغ مع قطع التوصيلات الاساسية لليد مع الدماغ، وعملية الاستشفاء اللاحقة.
واذا كان الدماغ يعد كيانا غير قابل للتغيير فاننا اذا ما قطعنا الاعصاب الطرفية في يد اي قرد، واتحنا لها ان تنمو مرة اخرى بطريقة عشوائية (اي يوصلها باعصاب مجاورة) عندها سيصاب الدماغ بالتشوش والحيرة.
فعند لمس ابهام القرد، ستجد بدلا من ذلك ان الجزء ذي الصلة بالاصبع الاوسط للقرد قد يستجيب، وفي البداية هذا ما حدث في واقع الامر.
ولكن وبعد مضي بضعة اشهر اصاب الذهول ميرزينتش عندما توصل الى ان الدماغ تمكن بطريقة او باخرى من ترتيب كل شيء، والتعرف على مسألة اي عصب يجب ان يتواصل مع أي جزء من الجسم. وقد استطاع الدماغ في واقع الأمر من إعادة صياغة توصيلاته بنفسه في التعامل مع الإصابة.