مقالات وتقارير: الخـروج مـن فـخ الغـرب

 
 


عبد الحليم فضل الله
النبذ والجذب السؤال الذي طرحته أوروبا وأميركا في حقبة التحول في التسعينيات، كان الآتي: هل ستكون روسيا جزءاً من الغرب أم قائدة لحضارة منفصلة (الحضارة الأرثوذوكسية السلافية). ووفق منهج الصدام فإن أياً من الاحتمالين سيقود إلى قيام خط تماس جديد بين روسيا من جهة وجوارها الإسلامي المتنوع من جهة أخرى. لحسن الحظ فإن الحروب التي انخرط فيها مسلمون وأرثوذكس، سواء منها ما أتى في سياق تفكك المعسكر الشرقي (البوسنة والهرسك)، أو غيرها (الشيشان، أفغانستان)، لم تمهد لقيام خط تماس ثقافي بين المجالين الحضاريين، بل حافظت تلك النزاعات على طبيعتها السياسية أو الإثنية الخاصة بها، ولم تنشأ دعاوى ثقافية أو دينية بشأنها. وهذا مؤشر مشجع على أن عوامل الجذب والتواصل بين الجانبين أقوى من عوامل النبذ والتفرقة. فروسيا لم تقدّم نفسها يوماً على أنها دولة ذات صفاء ديني، وهي التي تضم فيما تضمه عشرين مليون مسلم يشكلون 15% تقريباً من سكانها. وقبل ستة أعوام قررت القمة الإسلامية في ماليزيا قبول طلب روسيا الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي بصفة مراقب (وأنشئ في أعقاب ذلك "منتدى روسيا والعالم الإسلامي" لتشكيل رؤية مشتركة بين الفريقين).



ورغم التوترات العرقية الإثنية، لم تولد في روسيا ثقافة معاداة الإسلام، أو ما يعرف برهاب الإسلام، ولم يتم البحث عن إسقاطات دينية واجتماعية للنزاعات السياسية لها، كما هو حاصل في أوروبا مع مسائل الحجاب والاندماج التي يرزح تحت عبئها مسلمو تلك القارة وتمثل ترميزاً معاصراً لخلافات متعددة المصادر والغايات. أما العالم الإسلامي، فهو ليس كتلة واحدة، ولا يمتلك منظوراً موحداً لدوره العالمي ولعلاقته مع جواره البعيد والقريب، ومع ذلك فإن التناقض السياسي الذي يحكم علاقاته بالنموذج الغربي وخصوصاً في وجهه السياسي، يزيد من ميله إلى الاقتراب من الحضارات والثقافات والمجتمعات العالمية الأخرى، هذا بغض النظر طبعاً عن بعض الاتجاهات المتطرفة. الأيدولوجيا والاستراتيجيا في حاضنة تاريخ من التعاون لا يقتصر السياق التاريخي للتقارب بين الجانبين على الحقبة السوفياتية، مع أنها وفرت لها في حينه أبعاداً اقتصادية وسياسية وأيديولوجية لم تعرفها من قبل، متخطية منطق المصالح المباشرة. فطوال قرون، كان هناك علاقة وثيقة بين روسيا والعالم الإسلامي، حيث يعبر الحجاج الروس آسيا الصغرى وسوريا للوصول إلى فلسطين، فيما تحولت المدن الروسية إلى مقصد للتجار المسلمين مارين بنهر الفولغا وبحر قزوين (فاسيلي سيدين 2000)، ويظهر التتبع التاريخي أن الصلات بين روسيا والعالم الإسلامي تعود إلى الدولة العباسية، التي تبادلت البعثات الرسمية مع روسيا. ومع قيام الدولة العثمانية، شابت العلاقة موجات من الصداقة والعداوة، وحدثت صدامات عدة، إنما على خلفية الصراع على النفوذ في شبه جزيرة القرم والبحر الأسود، ومن دون أن تتخذ منحىً دينياً أو ثقافياً. على العكس من ذلك تميز الاستشراق الروسي، على سبيل المثال، عن الاستشراق الغربي "بأنه لم يصدر على خلفية السيطرة والعداوة، بل كان بدافع علمي ومعرفي أو لتوطيد العلاقات السياسية". بعد الحرب العالمية الثانية تطورت العلاقة بين الضفتين، حيث أيدت موسكو من دون تحفظ المطالب المشروعة للعرب، ووقفت موقفا مسانداً لتحررهم السياسي والاقتصادي. وقد تنامى هذا التوجه مع صعود النزعة الأيديولوجية لدى السياسيين السوفيات في ذروة الحرب الباردة. وهناك أسباب أخرى للتحالف بين روسيا/الاتحاد السوفياتي وجوارها العربي الإسلامي، أوردها في مذكراته، كارين بروتنتس مستشار ميخائيل غورباتشييف آخر رئيس سوفياتي (بروتنتس 1999)، ومن بينها الاعتبارات الجيواستراتيجية، التي منحت العالم العربي (والإسلامي)، رتبة بارزة في السياسة الخارجية لموسكو، ويستحضر بروتنتس هنا فكرة "الحجاب الحاجز" التي تبنتها الدولة السوفياتية في أربعينيات القرن المنصرم، والتي تقضي بتجنب الانجرار إلى حروب واسعة مع منافسيه العالميين، من خلال خلق محيط ودي وآمن. ولذلك حظي الشرق الأوسط باهتمام سوفياتي بارز منذ عهد الرئيس نكيتيا خروتشوف في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية. وقد أضيفت إلى هذه الاعتبارات في السبعينيات عناصر عسكرية وأمنية أوسع كان هدفها الأول هو مقاومة الأحلاف الغربية الهادفة إلى وضع اليد على الحزام الجنوبي، ومنع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة. إشكالية الغرب الفرضية المركزية في هذه الورقة هي أن الغرب هو السبب الرئيسي لفقدان العلاقة بين العالم الإسلامي وروسيا زخمها المطلوب. فقد تجاوزت العلاقة بينهما وبسلام تقاطعات خطرة: حروب ونزاعات أفغانستان والشيشان وغيرها، سقوط الاتحاد السوفياتي وانفصال الجمهوريات الإسلامية، انتشار النزاعات العرقية الإثنية، وصعود فكرة صدام الحضارات، وفجوة الآمال بين المواقف الروسية، وتوق شعوب المنطقة وقواها الحية في أن تكون روسيا عنصر توازن في وجه الهيمنة الأميركية والتطرف الإسرائيلي. لقد أظهرت تطورات عقدين كاملين في مرحلة ما بعد الحرب الباردة صمود العلاقة بين روسيا وجوارها الإسلامي، أمام خطر أن تتحول التباينات أو النزاعات أو الحروب إلى صراعات ثقافية دائمة وعميقة. وقد كان من شأن تحرر الفريقين من العبء الإيديولوجي، أن يزيد من فرص التفاهم، بعدما أُقحم الفريقان أثناء الحرب الباردة في توترات لا طائل منها. تقف السياسات الغربية لتقطع الطريق على إمكانية تطوير التفاعل الثقافي والسياسي بين الطرفين. فتحرف اتجاه روسيا عن مسار عودتها إلى تأدية دور إقليمي وعالمي مؤثر، وهذا يتم من خلال تكثيف الدول الغربية عمليات التبادل الموضعية والضيقة للمنافع معها عند كل منعطف، وخصوصاً عندما تزداد فعالية الدور الروسي (كما يحصل الآن مع الملف النووي الإيراني وحصل سابقاً بشأن المبادرات الخاصة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي)، وبالمقابل تضغط واشنطن على أنظمة ودول العالم الإسلامي لخفض استقلالية قرارها، ومنعها بالتالي من توسيع نطاق التعاون مع دول الجوار القريب قبل البعيد. وهذا يتم غالباً من خلال المقايضة التالية: أميركا تدعم بقاء الأنظمة ذات الشرعية المنقوصة شعبياً، فيما تعمد هذه الأخيرة إلى تقديم الأولويات والمصالح الغربية على ما سواها. وإذا أضفنا إلى ذلك الوجود العسكري المباشر في النقاط الأكثر أهمية في المنطقة، يصبح بوسعنا إدراك الأسباب التي تعطل ديناميكيات التقارب والتعاون، التي من شأنها أن تشكل حاجزاً أمام الهيمنة. وباختصار إن الرفض الغربي الحازم لقيام أي قوة إقليمية أو عالمية مستقلة وفاعلة، هو الذي يمنع قيام بيئة استراتيجية مؤاتية لتوثيق الروابط بين العواصم الكبرى خارج الفضاء الغربي، فيما تتولى عقيدة الصدام التي أشبعت بها الثقافة السياسية الغربية المعاصرة، زيادة حدة الانقسامات الدولية ومنع قيام تفاهمات دولية وإقليمية تشجع على الاستقرار. البحث عن دور يطرح من جديد عقدة السياسة الغربية التي تعرقل مساعي أي دولة تقع خارج قوس هيمنتها، للحصول على دور دولي مؤثر أو منافس. فبعد عقدين من الانسحاب من أفغانستان، وسقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي وقيام ثم تعثر النظام الدولي الجديد، لا تزال موسكو تبحث عن دور عالمي لها. حاولت في البداية الاندماج أو الالتحاق بالغرب، لكنها أخفقت، ولم تجد نفعاً محاولات الرئيس السابق بوريس يلتسين إقناع الغرب بفتح أبوابه أمام الوافد الجديد، ثم بدأت موسكو تستفيق من سباتها الجيواستراتيجي الذي استمر حتى فجر الألفية الثالثة، وهو ما لم يلق صدى طيباً في العواصم الغربية، التي تحفظت على عودة روسيا للتصرف كشريك. ويمكن الاستفادة من مقالة نشرتها مجلة فورين آفيرز عام 2009، لسبر غور الرؤية الأميركية المضمرة لمستقبل روسيا. حيث يدعو ديمتري ترينين روسيا للانصراف في الوقت الراهن إلى مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وأزماتها الخاصة وأولوياتها الداخلية، عوضا عن التهيؤ لدور إقليمي ودولي يفوق حاجاتها وحجمها وإمكاناتها. فأي سعي منها لاستعادة موقعها في النظام الدولي سيبعدها عن هذا الهدف. وإذا أرادت روسيا تحسين أداء مؤسساتها وتنفيذ مشروع تحديث يحفظ مصالحها فما عليها سوى ترك التطلع برومانسية إلى الوراء، والعمل على توطيد أواصر علاقاتها مع الدول الأساسية في العالم حتى تلبي مع مرور الوقت معايير الانضمام إلى الغرب. وفيما تتبع روسيا الآن دبلوماسية فاعلة في مجلس الأمن لترسيخ مكانتها الدولية، عليها أن تحقق هذه المكانة كما يقول من خلال زيادة حصتها في إنتاج السلع والخدمات. الأمر نفسه ينطبق على العالم الإسلامي، فقد قامت الاستراتيجية الغربية تجاهه على ثلاثة عناصر: منع قيام نطاق عربي وإسلامي متضامن يمتلك تصورات موحدة، السيطرة على الممرات الاقتصادية والجغرافية الأساسية، والحيلولة دون قيام أقطاب إقليمية مستقلة سياسياً ومنافسة اقتصادياً. وهو مطالب أيضاً بالانصراف إلى قضاياه الخاصة بل قضايا كل دولة فيه على حدة، أما التعاون والعمل الجماعي فمسموح به لغرض واحد هو ملء هوامش السياسات الغربية وتطبيق استراتيجياتها. ولهذه الغاية تُمنع جامعة الدول العربية من القيام بدورها كإطار للتضامن العربي، ويمتد الفشل ليشمل أوجه التعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي المختلفة، ولهذا أيضاً يُعمل على نشر بذور الانقسام العرقي والمذهبي، ويتم تصعيد التوتر والمنافسة بين الدول الإسلامية، مع أن مساحات التعاون الواسعة وغير المستغلة، تتيح للجميع أن يستفيد من ثمار التعاون والتقارب، بينما يخسر الكل من النزاعات والخصومات. لكن العالم الإسلامي الذي لم يعرف الوحدة في تاريخه الحديث، وكان مضماراً لتناحر داخلي وهدفاً للاستتباع الخارجي، يشهد اليوم حراكا استراتيجياً وتاريخياً غير مسبوق يسير به نحو موقع دولي جديد. يتم ذلك في سياق صعود الدول المعارضة للنهج الأميركي في المنطقة، وتراجع الدول الموالية لها، و على وقع تجذر ظاهرة المقاومة التي تحولت إلى منظومة واسعة وفاعلة تضم دولاً وحركات وبات لها تأثير على المستويين الإقليمي والدولي، وخصوصاً بعد انتصارها في حرب لبنان 2006 وصمودها أمام العدوان الإسرائيلي على غزة. وينتظر من هذا الحراك أن يمهد لانبثاق قطب عالمي جديد يزيد من أهميته تطور الشعور بوحدة المصير والتحديات المشتركة على امتداد البلدان والمجتمعات الإسلامية. وبالخلاصة: إن خلق بيئة استراتيجية مؤاتية للتقارب والتفاعل بين العالم الإسلامي وروسيا، يتطلب أمرين مترابطين: من جهة، زيادة فعالية كلا الجانبين على المسرح العالمي، وحصولهما على أدوار تتناسب مع أهميتهما، إذ يصعب التفاهم والتعاون على المدى البعيد بين دول مستتبعة أو منقوصة الدور. ومن جهة ثانية، الخروج من فخ السياسة الغربية، التي تمنع العالم الإسلامي من تقرير مصيره وتساهم في إضعاف نهضته، وتغري روسيا بأثمان بخسة للتخلي عن هدفها بأن تكون قطباً عالمياً مستقلاً ومؤثراً. إن إزاحة تلك العقبة يعني بالنسبة للعالم الإسلامي التغلب على انشقاقاته وأزماته، وتطوير المشاريع الوطنية القائمة على أساس التعاون الإقليمي وتحدي الإرادة الغربية (نموذجا تركيا وإيران)، ويعني بالنسبة لروسيا عدم تكرار تجربة التوجه غير المشروط نحو الغرب، من دون أن تستمد من التحالفات والتفاهمات مع الدول الأخرى المناعة والقوة. فالروح الجديدة التي تنبثق في العالم الإسلامي وتعبر عنها منظومة المقاومة، ينبغي أن تقابلها موسكو بسياسات جديدة، تستجيب على نحو خاص لتوق الدول والمنظومات الإسلامية الصاعدة للحصول على شركاء وحلفاء جدد.

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار مقالات وتقارير
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في مقالات وتقارير:
أزمة لبنان والرهانات الكبرى في الشرق الأوسط