سياسية: رؤية استراتيجية لمياه العراق / الجزء الثالث

 
 


الماء ليس سلعة
إنَّ المياه، بمعنى وجودها على كوكب الأرض لم تعتبر او تعامل على أنها سلعة  أي "Commodity" مثل الموارد الطبيعية الأخرى كالمعادن والنفط والأحجار وغيرها، كما لم تؤسس علاقة البشر بالمياه على هذا الأساس منذ بدء الخليقة، بل تأسست علاقة البشر بالمياه باعتبارها موردا طبيعيا متاحا للبشرية، مثلها مثل الهواء أي إنها (Common Good) تمنح الحياة وتخلق ظروف ازدهارها، إلا أنَّ التطور الحضاري المعاصر، وحجم التلوث الذي أحدثه البشر كنتيجة مباشرة لحضارته المادية  الحالية، والسيطرة المحكمة على جريان المياه، والتحكم بها عن طريق السدود والخزانات والمنشآت الأخرى، وارتفاع مستوى المعيشة نتيجة التنمية الاقتصادية، حتم معالجة  وتصفية وتعبئة المياه لأغراض الشرب أو الاستخدامات الصحية واللهو أو الترفيه، ما جعل تداولها كسلعة أمرا ممكنا، لتغطية التكاليف الإضافية التي يتطلبها إعداد المياه بالصيغة المرغوبة، إلا أنَّ ذلك لم يحول المياه إلى سلعة تباع وتشترى بصيغتها الطبيعية، ولكن من المفيد الالتفات إلى الرغبة الشديدة لدى الاحتكارت الدولية، ودول المنبع التي أتاح لها موقعها الجغرافي قدرة التحكم بجريان المياه، من الدفع باتجاه تحويل المياه إلى سلعة تباع وتشترى او تستبدل بسلع أخرى، وكان الموقف الحكومي التركي في التسعينيات مثالا صارخا على هذا التوجه وقد صرح بذلك في أكثر من مناسبة الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال، ولكن في المقابل فقد نشأت وتطورت حركة كبرى عبر القارات تتصدى لهذا التوجه الربحي أو الاحتكاري في التعامل مع الموارد المائية، وتقوم منظمات الأمم المتحدة، ووكالاتها، ومنتدياتها بدور ريادي في تدعيم هذا التوجه، وفي الدفع باتجاه اعتبار المياه، وإتاحتها للبشر، حقا من حقوق الإنسان، يجب العمل على ضمانه وحمايته، وقد بلغ الصراع بين هذين الاتجاهين ذروته في منتدى المياه الخامس الذي عقد في اسطنبول في آذار 2009، وكان النقاش يتمحور حول مفهومين للمياه يبدوان متكاملين إلا أنَّ مضامينهما مختلفة وهما اعتبار المياه "حاجة إنسانية" أم "حق من حقوق الإنسان" ونظرا لسيطرة الاتجاه الأول الذي تدعمه احتكارات الصناعة المائية وانعقاد المنتدى في دولة تستخدم المياه بطريقة سلعية ، وتخطط إلى اعتبارها سلعة وأداة للتحكم ولتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية ، ولا تعير اهتماما كبيرا للقوانين الدولية ، فقد خلا البيان السياسي للمنتدى من الإشارة إلى أنَّ المياه "حق من حقوق الإنسان" واكتفي بالإشارة إلى أنها "حاجة" للبشر.




من المهم جدا التأكيد على أنَّ الماء ليس سلعة ، لذا فمن الخطر التفكير بالتجارة بالماء مقابل النفط ، فضلا عن الترويج لذلك من قبل الصحفيين والمسؤولين غير المختصين. إنَّ هذا هو الهدف التركي المعلن والذي عبرت عنه الحكومات التركية السابقة ، وحاولت وتحاول بيع المياه الى الدول الأخرى. وبالرغم من التغير الكبير في الموقف التركي إزاء الموارد المائية ، مقارنة بموقفها في التسعينيات، كنتيجة لتقربها من الاتحاد الأوروبي، وضرورة الالتزام بالسياسات التقدمية الأوروبية في مجال البيئة والموارد المائية ، إلا أنَّ كارثة الجفاف المستمرة منذ ثلاث سنوات، ترينا بوضوح أنَّ تركيا لم تفعل ما فيه الكفاية لتقليل حجم الكارثة في العراق . إن موقف تركيا في تعاملها في قضية مياه دجلة والفرات ينسجم مع مبدأ السيادة المطلقة(Absolute Sovereignty )  أي السيادة الكاملة على المياه داخل حدود الدولة وهو ما يدعى بمبدأ هارمون Harmon Doctrine  وهو مبدأ قديم لم يعد صالحاً للعمل بموجبه ، حسب القانون الدولي للمياه .
وهو المبدأ الذي اعتمدته أمريكا في قسمة مياه نهر المسسبي مع المكسيك أوائل القرن العشرين إن القانون الدولي المعتمد  حالياً والمعمول به دولياً هو : قانون الانتفاع العادل أو ( المنصف) ومنع الضرر الملموس .
 إن جوهر هذا القانون الذي اقر من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة في تموز / 1993 يتمثل في المبادئ الأساسية للانتفاع العادل المنصف ومنع الضرر الملموس ، وان لجنة القانون الدولي ILC وضعت تحديداً دقيقاً لمعنى الضرر الملموس وهو ضرر موضوعي جوهري  Significantويعني الانتفاع أو المنصف ، حسب تحديد اللجنة هو إن :
الدول المشتركة في مجرى مائي دولي ملزمة باستخدامه وتطويره وحمايته بطريقة عادلة ومعقولة وان تفعل ذلك بروح التعاون . وكل دولة من دول الحوض لها حق الانتفاع المساوي لحق كل طرف وان حق الانتفاع هو حق تتساوى فيه الدول المتشاطئة في حوض النهر (التخصيص العادل للحصص).
الانهر المشتركة مع ايران
يشترك العراق وايران ب(42) نهرا حدوديا تصب داخل الاراضي العراقية في شط العرب ونهري دجلة وديالى وتشكل حوالي 20% من ايرادات المياه التي تدخل الى العراق من تركيا ، وان العراق لا يملك المعلومات الكافية حول تطوراتها وذلك بحكم العلاقات المتوترة الى حد القطيعة مع النظام السابق خلال العقدين الماضيين وتشير المعلومات المتيسرة بان ايران قامت ولاتزال ببناء السدود والخزانات على عدد من هذه الانهر دون موافقة او حتى التنسيق مع العراق ، وأهمها تحويل مجرى النهر وانشاء السدود التخزينية والمشاريع الاروائية على الانهر المشتركة بين البلدين مما أدى الى نقص المياه الواردة الى العراق عن طريق أنهر - على سبيل المثال لا الحصر - سيروان ( احد رافدي نهر ديالى ) والوند وكلال بدره والطيب ودوريج والكرخة والكارون الذي  اضافة الى الوضع المائي والواقع البيئي لهور الحويزة.
واهم هذه الانهر:
- نهر سيروان وهو احد الروافد الرئيسية لنهر ديالى ويسير بطول 25 كم ضمن الحدود المشتركة وقامت ايران بتحويل مجرى النهر لارواء ارض كرمنشاه خلافا لمبادئ واحكام القانون الدولي .
-نهر الكارون الذي يصب في شط العراب جنوب مدينة خرمشهر والذي يعتبر المصدر الرئيسي للمياه العذبه في جزء الشط الجنوبي .
- نهر الكرخة الذي يصب في هور الحويزة وذلك ببناء سد على طول الحدود في منطقة الهور. 
- وكذلك انهر، هوسان ، وبانه ، وكلال بدرة ، والوند ان السياسة التي تنتهجها ايران في هذا المجال قد ادت الى الحاق ضرر فادح على الواقع المائي والبيئي والزراعي لشط العرب وهور الحويزة ونهر ديالى على وجه الخصوص .
وهناك اتفاق بين العراق وايران عقد لاحقا لمعاهدة الحدود البرية لعام 1975 يتعلق بتنظيم الاستفادة من مياه مجاري الانهر الحدودية المشتركة وهذا الاتفاق مرهون باتفاقية الجزائر ... الملحق (7).
الاهوار
أجمع اللغويون والجغرافيون العراقيون على ان كلمة الاهوار تطلق على الاراضي المنخفضة التي تغطيها المياه في جميع أيام السنة وفي مواسم معينة وتضم مناطق ضحلة وأخرى عميقة نسبياً ، بعضها مغطى بالنباتات المائية والقصب والبردي ، والبعض الآخر مفتوح يطلق عليه أسم بركه..... وهو يعني مساحات المياه الدائمية والموسمية والتجمعات الكثيفة للغابات المائية والقصب والبردي وشبكات الجداول الواردة اليها والخارجة منها . وبتعبير أدق فهي تلك الاجسام المائية الموجودة في جنوب العراق والتي تتميز بمواصفات خاصة تختلف عن مواصفات البحيرات والانهار والمستنقعات ومسطحات المد والجزر . و تعرف الاهوار بوفرة تنوعها الاحيائي، فهي تدْعمُ الهجرةَ السنويةَ لملايينِ الطيورِ وهي حاضنة لتكاثر ألاسماكِ والروبيانِ. وفي النصف الثاني من القرن العشرين حرمت الاهوار من النشاطِ الإقتصاديِ والإجتماعيِ و البنية التحتية بالمقارنة مع مناطق العراق الاخرى. لقد كَانتْ الاهوار موطنا لم يقارب 500,000 نسمة، العديد مِنْهم عاشَ في أكواخِ القصب المنشأة على الجُزُرِ الإصطناعيةِ الصغيرةِ (الجبايش). ان الوسيلة الأساسية للسفرِ هي الزورق الصغير الذي يعرف بالمشحوف. و تتضمن النشاطات الإقتصادية صيدِ السمك والزراعةِ و الانتاج الحيواني. ان قصب الاهوار فريد في المنطقةِ ويستعمل للبناء ونْسجُ الحصرانَ التي تصُدّر في أغلب الأحيان إلى المناطقِ المجاورة. وكان السمكِ الوفيرِ مصدر دخل لسكنةِ الاهوار، وفي الثمانيناتِ، انتجت المنطقةَ تقريباً 60 % من الاسماكِ المستهلكَة في العراق.
مواقع الاهوار ومساحاتها
تقع منطقة الاهوار في الجزء الجنوبي او السفلي من وادي الرافدين وتضم أهوار جنوب العراق المنطقة المثلثة الواقعة بين مدينتي العمارة شمالاً والبصرة جنوباً وشرقاً وسوق الشيوخ غرباً وتضم بينها جزراً كثيرة ، وعرفت المنطقة ايضاً بجنة عدن
وتقع هذه المنطقة بين خطي عرض 35 30 و45 32 شمالاً وخطي طول 13 48 شرقاً وتبلغ مساحتها 35000 كم2 ، منها 9000 كم2 أهوار دائمية والباقي أهوار موسمية ويبلغ طول المنطقة من الشمال الى الجنوب 210 كم وعرضها 170 كم وتقسم الاهوار الى ثلاثة مناطق رئيسية هي :
المنطقة الاولى :- الاهوار الشرقية وهي تقع شرق نهر دجلة وتسمى ايضاً اهوار الحويزة ، وهي محصورة بين الحدود العراقية الايرانية شرقا ونهر دجلة غربا ، ونهر السويب جنوبا وتأخذ مياهها من نهر المشرح والكحلاء وكذلك نهر الكرخة المتفرع من نهر الكارون وتفرع مياهها في نهر دجلة ثانية عن طريق الجداول التي تصب في نهر دجلة ونهر السويب .
المنطقة الثانية:- الاهوار الجنوبية وتسمى ايضا اهوار الحمار او هور السناف ويحدها كرمة بني سعيد غرباً ونهري الفرات وشط العرب شمالاً وسكة حديد بغداد جنوبا والكرمة شرقاً وتصب في شط العرب بواسطة نهر كرمة علي المنطقة الثالثة:- الاهوار الوسطى او اهوار زجري او ابو كلام وتقع بين نهري دجلة والفرات وتحدها مدينة العمارة شمالاً والقرنة جنوباً ونهر دجلة شرقا ونهر الفرات غرباً، وتغذيها جداول المجر الكبير والصغير والبتيرة وتفرغ مياهها في نهر الفرات .  وبالإضافة لما ذكرنا اعلاه فهناك مناطق اخرى في محافظتي العمارة والناصرية توجد اهوار الفهود وتقع هذه الاهوار جنوب شرق الشطرة وهي من الاهوار الدائمية وطولها حوالي 50 كم من الجنوب الشرقي الى الغرب وعرض 15,10 كم من الشمال الى الجنوب وتفرغ مياهها في بحيرة الحمار بواسطة نهر ابو لحية واللعويسية. اما في محافظة العمارة فتوجد اهوار السينية والساعدية في منطقتي كميت وعلي الغربي .
لقد كان تجفيف الاهوار احد اكبر الجرائم التي ارتكبها النظام السابق ، كونه دمر اقدم نظام بيئي ، ولان الأهوار كانت مهد اقدم حضارة عرفها تاريخ البشرية فقبل اكثر من 12الف سنة قبل الميلاد سجل سكان الاهوار العراقية نشوء الزراعة . فلم يكن يُنظر إلى المياه أبدا على أنها أحدى الخيرات الاقتصادية في البلاد، حيث كان تركيز العراق في إدارة موارده المائية ينصب في السابق (ولا يزال) على احتياجاته لأغراض الري. وكانت جميع أشكال استخدام المياه تحظى بالدعم الحكومي الكبير. وتم إغفال النواحي البيئية والاجتماعية الثقافية لمشاريع الموارد المائية، فقد كان تجفيف أكبر نظام بيئي في الشرق الأوسط، ألا وهي الأهوار العراقية مثالا دراميا واحدا على هذه التوجه. ان تجفيف الاهوار هو السبب الاساسي للفقر الذي يعاني منه سكان جنوب العراق ، فهناك خمسة ملايين نسمة كانت تعيش على الزراعة والثروة السمكية والثرة الحيوانية التي تزخر بها بيئة الاهوار.  ان مساحة الاهوار حسب الصورة الفضائية الملتقطة عام 1973 كانت 8926 م2 ( الاهوار الدائمية ) وبعد عمليات التجفيف اصبحت  المساحة عام 2000م ( 297, 1 ) كم 2  فهور الحويزة قد جفف بنسبة (86 % ) وهور الحمار بنسبة (94 %)، والاهوار الوسطى بنسبة (97 % ) ، ،و بسبب تجفيف المنطقة وبمساحة تزيد على000, 20 كم2 من المسطحات المائية وغابات القصب نشأت بيئية صحراوية جديدة وظهرت مجتمعات نباتية جديدة تلاءمت مع الظروف مثل نباتات الطرفة والطرطيع والعجرش ،وبعد عام 2003 م تم اعادة اغمار الاهوار بشكل غير منظم من قبل  السكان  بكسر السداد  وفتح النواظم المغلقة  لتبلغ نسبة المساحة المغمورة  لعام 2004 م 20 % من مساحة الاهوار قبل عمليات التجفيف  لتصل النسبة في نهاية عام 2005 م الى حوالي (44%) من مجمل مساحات الاهوار الجنوبية .
وبسبب الوضع المائي في العراق فأنه  لا يمكن  أعادة إغمار كل اراضي الاهوار المجففة بسبب الملوحة الزائدة والتلوث البيئي  وقلة  الوارد المائي ، فان اعادة اغمار9000  كم2 من الاهوار سيتطلب من 20- 30 مليار م3 , ومع  سلسلة من  المشاريع الضخمة المقامة على حوض دجلة والفرات   ومعدلات سقوط المطر السنوية تبلغ  10 سم فقط مع ارتفاع  معدلات تبخر يمكن ان تصل الى ما يقارب 200 سم   فان الخطط المقترحة لاعادة اغمار الاهوار هي اعادة فقط 70 % من الاهوار السابقة .
فيما يتعلق بانعاش الاهوار فمن الضروري اجراء دراسة فنية اقتصادية شاملة لجميع الجوانب البيئية والاجتماعية وغيرها والاستفادة من جميع الدراسات التي قامت بها مختلف الجهات العاملة ضمن هذا الجهد والأخذ بنظر الاعتبار رغبات السكان واستعادة النظام البيئي وتحديد معايير معينة للغمر(خاصة عمق الماء مع مراعاة المستوى العالي للتبخر في المنطقة الجنوبية) والحفاظ على المناطق الاثارية في الاهوار ان يطالها الغمر(أكدت الهيئة العامة للآثار والتراث إن عشرات المواقع الاثارية اكتشفت في مناطق اهوار ميسان وذي قار والبصرة، وهذه المواقع كانت تغطيها المياه وظهرت مجدداً للعيان لتؤكد وجود حضارة قديمة وإن الهيئة العامة للآثار والتراث قامت باعداد الخطط الكفيلة للحفاظ على هذه المواقع وتجنيبها الغمر مجدداً بالمياه من خلال إحاطتها بسواتر ترابية من مساحات بعيدة لتجنب وصول المياه الجوفية إليها والتي تؤثر بطبيعة الحال على تلك المواقع وان النية تتجه إلى إدراج منطقة الاهوار ضمن لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو بصفتها موقعاً طبيعياً وثقافياً (اثارياً) وتشكيل لجنة مشتركة لإعداد الدراسات الخاصة بهذا الموضوع في هذا الجزء المهم من ارض العراق ، وإن هذه المواقع الأثرية في مناطق الاهوار تعود للفترتين السومرية والاكدية ) , مع دراسة امكانية الاستفادة من مياه المصب العام (وحسب الموازنات الملحية المسموح بها للحفاظ على التنوع الإحيائي ) في مناطق معينة من الاهوار.

 

 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 
 

 
 

· البحث في اخبار سياسية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في سياسية:
الطهطاوي رائد وصاحب مشروع نهضوي